نصائح صغيرد لداؤود الشريان

عبدالله ناصر العتيبي

على غير عادة جولتي الإلكترونية الصباحية، قررت أن أدخل موقع العربية لأرى ما هو الجديد في الموقع العربي المشهور بالشتائم والكلام البذئ وفاحش القول. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت أن الكثير من تعليقات القراء قد حجبت بدعوى عدم توافقها مع سياسة النشر في الموقع. سحت في الموقع فلم أقرأ ما كانت تستحي عيني من قراءته من قبل. قرأت لأناس يوزعون الحلوى والزهور على من يتفقون معهم، ويتحاورون بطريقة عقلانية حضارية مع من يختلفون معهم.
تم التعامل في الموقع مع تعليقات القراء التي تتجاوز الأدب وتتنافى مع الأخلاق بطريقة قمعية وهي التي كانت تتنفس الهواء الملوث من قبل وتعشعش في كل مواضيع الموقع المتابع عربياً بشكل كبير جداً.
هذا التغيير المفاجئ كان صادماً لي في الحقيقة، لكن عندما عرفت أن السبب في ذلك هو تغيير الإدارة القديمة واستبدالها بإدارة جديدة، بطل عجبي وزال استغرابي.
قبل عشرات السنين، كانت الصحف اليومية (تقريباً) هي وسيلة نقل الأخبار للناس. لم يكن التلفزيون قيمة تذكر في وصول الخبر إلى الناس بسبب محدودية انتشاره. مجتمعات القرن الماضي اعتمدت اعتماداً كلياً تقريباً في تلقيها لما يدور خارج محيطاتها على النشرات الورقية اليومية التي كانت تحتاج لإذاعة الخبر إلى ١٢ ساعة في الحدود الدنيا و٢٤ ساعة كحد أقصى. كانت الصحف هي متسيدة الواقع الإعلامي لفترات طويلة. ولم يكن ينازعها في هذا الأمر وسيلة إعلامية أخرى. وكانت الإذاعة التلفزيون يحتلان أحيانا مواقع متقدمة ضمن أولويات الناس في استسقاء الأخبار، لكن الصحف كانت في الأحوال العادية هي المتسيدة بلا منازع.
لكن مع الثورة الفضائية الأخيرة المتمثلة في امتلاء الفضاء بعشرات القنوات المتخصصة وظهور الشبح الرقمي العظيم المسمى بالإنترنت جعلا الصحف تتراجع كثيراً وتتنازل عن عرشها فاسحة المجال (لمزودي الأخبار على مدار الساعة) بالتقدم واحتلال مكانها الذي ظلت تتربع في عليائه لزمن طويل.
بعد دخول الألفية الثالثة بدأت تنتشر في الفضاء السايبروني المواقع الإخبارية التي تتلاحق أخبارها على مدار الساعة، وصارت حتى القنوات الفضائية العريقة إخبارياً كالسي إن إن والبي بي سي تحرص على أن تكون مواقعها الإلكترونية في مقدمة المواقع الإخبارية العالمية لأنها تنبهت باكراً إلى أن الإعلام الرقمي سيكون هو صاحب الحصة الأكبر في مستقبل الإعلام.
السعوديون أيضاً تنبهوا لهذه المسألة باكراً. دخلها أولاً عثمان العمير عبر جريدة إيلاف الإلكترونية (لا أعرف في الحقيقة لماذا لم يسمها مجلة) ثم تتابعت بعد ذلك المواقع الإخبارية الصغيرة والكبيرة، لعل آخرها الموقع الذي تنوي الشركة السعودية للأبحاث والنشر إنشائه على أطلال مجلة المجلة التي دفنت آخر أعدادها الورقية قبر شهر رحمه الله ورحمنا جميعاً.
السعوديون تنبهوا باكراً لهذه المسأله، هذا صحيح، لكن هل تنبهوا لنوعية الطرح المناسب في المواقع الإلكترونية؟ أشك في ذلك!. العمير اعتمد في مطبوعته الإلكترونية على مواد الغير. وصار يلاحق الصحافة المطبوعة بدلاً من أن يسبقها!. بمعنى أدق وأقرب إلى الصواب: صار العمير سارقاً محترفاً وهو الذي كنا نعتقد أنه سيصبغ الصحافة الإلكترونية بخبرته الصحافية الورقية العريضة. مواد إيلاف صارت تستجلب من صحيفة الشرق الأوسط والأنباء والقبس والرياض والحياة والشروق والصباح وكل مصدر ورقي متاح. وحتى المواد الخاصة بالجريدة التي يكتبها “زيد بنيامين” أو غيره من متفرغي الجريدة القليلين جداً هي في الحقيقة تحوير لما تنشره الصحافة الورقية. لم يستفد العمير كثيراً من الآلية التي تسمح بتزويد الأخبار علي مدار الساعة وجعل من جريدته مطبوعة ورقية ميزتها الوحيدة في سهولة الوصول إليها.
على الجانب الآخر ظل موقع العربية لسنوات طويلة يعتقد أن النجاح يرتبط بعدد التعليقات على مواضيعه التي يختار نشرها بعناية من الصحف اليوميه ووكالات الأنباء. لذلك كان المسؤولون عن النشر في الموقع يفرحون كثيراً عندما يبدأ العراك اليومي المحمل بالشتائم البذيئة بين ضيوف موقعهم. يظنون جهلاً أن نجاحهم يعتمد على قوة وشراسة المعارك التي تحدث يومياً في صفحات موقعهم، بغض النظر عن نوعية المواد المطروحة.
لم يوفق السعوديون كثيراً في صحافتهم الإلكترونية بسبب الفهم المشوه لماهية المرحلة التي تلت سقوط الصحف الورقية. فازوا بالوصول اليسير إلى القارئ وخسروا القوة والهيمنة الإعلامية التي كان من الممكن أن يحققوها بسبب ما توفر تواً للصحافة الإلكترونية وصار متعذراً على الصحافة الورقية.
داؤود الشريان صاراً رئيساً جديداً لتحرير العربية نت ومن أجله ومن أجلي سأكتب له هنا بعض النصائح التي قد تفيده في عمله الجديد:
عليه أولاً إيقاف السرقات اليومية التي تحدث في موقعه الألكترني. وإذا ما أراد النشر بالتزامن مع الصحف اليومية فعليه أن يستأذن الكتاب والصحفيين في ذلك ويتكرم مشكوراً في نهاية كل شهر ببعث مستحقات النشر لهؤلاء الصحفيين والكتاب.
عليه أن يدرب صحفييه على مسألة التغطية الخبرية المتتابعة لموضوع معين، بمعنى أن يكون لدى صحافيي الموقع فهم لماهية التغطية المتقطعة زمنياً. فمثلاً عندما يحدث زلزال في إيطاليا على سبيل المثال فإنني أتوقع من الموقع أن ينشر كل نصف ساعة الجديد عن هذا الزلزال حتى يتوقف الناس عن متابعة أخبار الزلزال، ويمكنني تحديد هذا المقياس من خلال عدد الزيارات لكل موضوع يتم نشره.
على الموقع أن يستفيد من الصحافيين الزوار. بمعنى أن ينشر دائما مواداً معينة في زوايا معينة مستقاة من قراء الموقع الذين يرون في أنفسهم قدرة على تعاطي الصحافة بشرط الإشارة إلى أن هذه الأخبار خارج المسؤولية المهنية للموقع.
استكتاب طاقم كتابي خاص بالموقع فقط.
الاعتماد على تقنية الانترنت في صياغة الواضيع، فعندما أتحدث مثلاً عن زلزال أيطاليا ويمر من خلال الموضوع اسم المدينة المنكوبة، فيجب أن يتاح للقارئ أن يتعرف على هذه المدينة من خلال وصلة تنقله للوكيبيديا أو أي موقع معلوماتي آخر يتفق مع الموقع.
في الأسبوع القادم ربما استفيض في هذا الموضوع، وربما تأخذني جائحة في طريقها الكتابي

ano@alhayat.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالاتي في جريدة الحياة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

2 تعليقين على: نصائح صغيرد لداؤود الشريان

  1. اتفق معك في الكثير من الامور التي ذهبت اليها في مقالك الكريم والسؤال هنا هل نعي جميعاً ادوارنا حقيقة سواء في الصحافة الورقية او الالكترونية ففي الستينات حينما ظهرت التغطيات التلفزيونية في الغرب للاخبار والبث المباشر سرعان ما تحولت الصحف الورقية الغربية الى صحافة من نوع اخر وهو صحافة ماوراء الكواليس اي الصحافة التي تقدم نظرتها للحدث من خلال شبكة من مراسليها اللذين يسافرون الى العديد من بلدان العالم من اجل البحث عن المعلومة وتقديم قصص اخبارية من اجل تكوين رأي عام.. وحينما حصل لدينا عربياً نفس التغيير اي بظهور القنوات الفضائية والقنوات الاخبارية المتخصصة كالجزيرة.. اختارت الصحف الورقية البقاء على نفس منهجها القديم وهو النقل من وكالات الانباء وهو امر جار حتى اليوم
    وحينما ظهرت المواقع الالكترونية بقيت الصحف الورقية على منهجها ايضاً مستفيدة من التشكيك الرسمي والشعبي من مستوى الرصانة في المواقع الالكترونية ومن هنا جاء سلوك الالكترون منهجاً اعتمد في بدايته على النقل وجمع المواد في مكان واحد بدل بعثرته في العديد من المواقع الالكترونية ثم تطورت مراحل الصحافة الالكترونية العربية التي بقيت صحف محدودة بعكس الغرب اللذين حولوا صحفهم الورقية الى الكترونية وتعددت المصادر وتطورت المنافسة الى حد تحويل بعض كتابهم ومراسليهم الى الصحيفة الالكترونية واشراك المواطن في كتابة القصص الاخبارية والحصول على الاخبار حتى ظهر مصطلح (المخبر المواطن) .. التطور العربي لم يكن كبيراً خصوصا وان الصحف الالكترونية العربية اعجبها النقل من الصحف الورقية العربية حتى اختارت مرحلة جديدة وهو النقل من الصحف الاجنبية التي تتمتع بسقف حرية اعلى من العرب في ما يخص نقلهم للشؤون السياسية العربية وهو ما استدعى انظار المزيد من القراء وفي نفس الوقت وجدت الصحف الالكترونية العربية اسيرة لفكر الصحف الورقية فتسرب اليها ذلك الفكر عن طريق اناس او صحفيين سرعتهم لا تتلائم مع السرعة المطلوبة في الصحافة الالكترونية وهنا كانت صورة الصحف الالكترونية كصورة من يحاول ان يتخطى السقف وهو غير قادر على ذلك.
    لقد بقيت الصحف الورقية العربية اسيرة لوكالات الانباء لحاجتها للخروج الى قرائها بعدد كبير من الصفحات وهو ما يخالف الصحف الغربية فنيويورك تايمز تصدر بـ 8 صفحات لما يخص قسمها السياسي فقط ويصل عدد صفحاتها الى ما بين 20 او 24 وهي مواد كتبت للصحيفة فقط وفي جميع اقسامها اما صحيفة الحياة وفي نسختها السعودية فقد يتجاوز عدد الصفحات الـ 40 صفحة وتتضمن الكثير من اخبار وكالات الانباء المجمعة او الاصدارت الصحفية
    اما الصحف الالكترونية فقد ظلت اسيرة لمحدودية عدد محرريها وقدرة هذا العدد على التحول الى التفكير الالكتروني الذي يحتاج للاستفادة من عاملي السرعة والحجم حيث الفضاء المفتوح في هذا النوع من الصحافة.. حتى كتابة هولاء المحررين تقترب من الكتابة للصحف الورقية.. فهو لا يعطي وقتا لكتابة مادته ولا استناط انماط جديدة للكتابة فيها .. يكفيه نقل القصة ويبتعد عن مساعدة القارئ في معرفة خلفياتها كأن يضع تسلسلات زمنية للحدث.. او يستعرض باختصار ابرز المشاركين في الحدث.. ويتفاعل مع القراء
    ان الصحفي الالكتروني افتقد اهم عامل لديه وهو الكتابة من خلال منطقين الاول هو نقل ما يحدث في العالم للقارئ ويترك القارئ يحكم على اهمية الحدث.. ثم الكتابة فيما يهم القارئ بناءً على تعليقاته وهو المنطق الثاني القائم على (الجمهور عايز كدا) اي ان نرى ما يهم الجمهور ونكتب عنه بصورة مكثفة
    ان ما تكتبه ايها الزميل العزيز وما نكتبه او يكتبه غيرنا ماهو الا محاولة للوصول الى محاولة لفهم قيمة الاداة التي في يدنا وكيفية استخدامها ولا ضير من الاستعانة بالنموذج الغربي لاننا قمنا باسترداد هذا النوع من النشر منهم.. رغم ان الصحافة الورقية لم تستفد في النموذج الغربي في التحول الى التغطيات الصحفية المعمقة التي تبني نجوماً من المراسلين واحتفظت باسهل طريق للحصول على الخبر وهو من وكالات الانباء
    شكراً على مقالك

  2. ندى الشهري كتب:

    قد يكون كلامك واقعي جدا في امور .. واخرى لا اوافقك…لست مضطران ابرهن للعالم الكوري او الياباني او االامريكي اني برييءحتى تثبت ادانتي لمجرد اني البس لباسي التقليدي والمتعارف عليه..انا كما انا ان رضي بي الامريكي او رفض..لن اغير العالم من حروب ودمار وارهاب بمجرد خلعي للثوب الابيض وقطعه قماش على رأسي..كما اسلفت ..العالم اجمع يعلم من هو الارهاب وكيف ومتى صاااار…لماذا نخجل من كوننا الخليجيون ومن لباسنا الخليجي؟ برأيي هل تتخيل الامريكي يلبس الثوب والشماغ؟؟ اذا لك ان تتخيل العربي بلباس البدله(القميص والبنطلون)..حقيقه شيء مضحك…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>