صحافة (3)

عندما كنت طالباً في كلية الهندسة، كان علي أن أختار: التوقف تماماً عن ممارسة الصحافة أو الحبو في دهاليز وممرات كلية الهندسة. انحزت للخيار الأول، وكان علي أن أدفع ثمن هذا الانحياز غالياً، إذ قضيت في الجامعة عشر سنوات عجاف، جعلتني أشعر أن حياتي كلها تم اختصارها في هذه الحقبة الزمنية الرهيبة.
عندما خرجت للحياة العملية وجدت أن الهندسة وسنواتها العشر ليست سوى مزحة ثقيلة من رفيق مبغض!. مزحة تضغط على عقلي بطريقة قذرة، ولم يكن أمامي – للخلاص منها – سوى الارتماء في أحضان زوجتي الثانية – الصحافة.
الصحافة التي أحبطتني، ورفعت معنوياتي، وأدهشتني، وأصابتني بالعادية، وخضعت لي، وترفعت عني، وقاومتني، وارتمت بين يدي، وأمرضتني، وأطلقت قدراتي، وفضحتني بين أهلي، ورفعت رأس أبي … علمتني أن:

** أضع البيض كله في سلة واحدة.
** أقرر متى ما لاح لي القرار.
** الباحثين عن خطأ المجتهد، ما هم إلا صحافة ظل، تحترق ما أن تتعرض للشمس أول مرة.
** التميّز ليس في السير في ركب الآخرين، بل السير عكسه إن احتاج الأمر.
** الخوف من الوقوع في خطأ صحافي، هو في الحقيقة خطأ صحافي.
** الصحافة هي خلق الخبر في رحم المصدر، إنما بملامح تميّز كل صحيفة ناجحة عن صحيفة ناجحة أخرى.
** ملاحقة الزوايا المعتمة في الأخبار المتاحة للجميع، موهبة تفرز جيد الصحافيين من رديئهم.
** الفاشلين مهنياً هم أكثر الصحافيين تنظيراً.
** مفاجأة القارئ كل صباح، هي رأس مال الجريدة.
** الصحافي يولد، ولا يستحدث من العدم.
** الشارع المكتب، والأربع وعشرين ساعة فترة الدوام.

علمتني الصحافة أن: الصحافي الناجح كالصحة، غير مُدرَك وجوده، فادح التأثير غيابه. وعلمتني أيضاً أن لا نجومية فيها، فالنجم الصحافي ابن نفسه وليس ابن الصحيفة، وبالتالي فهو جعجعة غير ذات طحين.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات في الأدب والصحافة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

4 تعليقات على: صحافة (3)

  1. غاض الطرف كتب:

    مفاجأة القارئ كل صباح، هي رأس مال الجريدة.
    رائعه تلك البرمجه

    حلو جميل ليتك اسهبت اكثر
    يروقني الحديث الصحفي وكلامك سهل سلس بسيط

    تبارك الرحمن
    بوركت

  2. عبدالله ناصر العتيبي كتب:

    غاض الطرف…
    ممتن كثيراً لتشجيعك الدائم.
    قلمك يبث الروح في قلمي.
    شكراً لك.

  3. نوفه كتب:

    الصحافي الناجح كالصحة، غير مُدرَك وجوده، فادح التأثير غيابه.

    هكذا نحن يا رفيق المهنه و زد عليها نحن أكثر من يزايد على صدقنا

    الناس فلا تعد تعرف هل هم على حق أم أنهم مخطئين

    كن بكل خير

  4. نوفه….
    المزايدة لا تكون سوى من الناس الذين لهم تماس مع الصحافيين.
    القارئ البعيد يحمل دائماً الحكم الحقيقي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>