صحافة (2)

قلت في ” صحافة 1 ” إن المنظرين في المهنية الصحافية هم أقل الصحافيين حظاً في الإبداع والإنتاجية. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب يقف على رأسها حجم الفارق ما بين مثاليات النظرية ومحاولات إنزالها على أرض الواقع.
دكاترة قسم الصحافة في كليات الإعلام ليسوا على وفاق أبداً مع الحياة الصحافية اليومية والأمثلة كثيرة، لكنهم في المقابل أكثر الفاحصين للمهنية الصحافية تشدداً.
أحد أصدقائي يعمل أستاذاً للصحافة، وبسبب اهتمامنا المشترك، فقد تشبعت إلي حد التخمة بانتقاداته اليومية لما يطرح في الصحافة العربية، ليس هذا فحسب، بل إنه إمعاناً في التوغل في التنظير الصحافي، أنشأ موقعاً شخصياً له على الإنترنت يضع فيه الأخطاء الصحافية اليومية التي تقع فيها الصحف مع تذييل كل خطأ بروشتة علاج يشرح فيها رؤيته التصحيحية للمادة الصحافية المنشورة. وللحقيقة فقد كانت كل روشتاته التصحيحية بمثابة جرعات صحافية لأي صحافي سواء أكان مبتدئاً أم في نهايات حياته المهنية. كان فعلاً مرجعاً للكثير من الصحافيين، وكان أغلب الصحافيين يتفحصون موقعه كل صباح بحثاً عن أية أخطاء جديدة وقعت فيها الصحف العربية. ولم أجد طوال سنين من يختلف معه حول نوعية هذه الأخطاء أو مدى بعدها أو اقترابها من الصح أو الخطأ الصحافي. كان صاحبي كما المشرع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه. هكذا كان أو هكذا كنا نراه.
دارت الأيام وعرضت إحدى الصحف رئاسة التحرير على صديقي بعد تعرضها لهزات توزيعية وإعلانية كادت تتسبب في إغلاقها.
وافق صاحبي وشمر عن ساعديه وبدأ العمل، وما هي إلا أيام قليله حتى بدأ زوار موقعه الألكترني يملؤونه بالأخطاء الصحافية المنشورة في جريدته. بعد ستة أشهر تم الاستغناء عنه، وعاد مرة ثانية إلى جامعته وموقعه الألكتروني وراح من جديد، بدون كلل أو ملل، يسود صفحاته بأخطاء الآخرين.
الصحافة ببساطة شديدة: هي الكيفية التي توازن فيها ما بين غبار الواقع ونسائم النظرية.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات في الأدب والصحافة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

2 تعليقين على: صحافة (2)

  1. نوفه كتب:

    الصحافة ببساطة شديدة: هي الكيفية التي توازن فيها ما بين غبار الواقع ونسائم النظرية.

    صدقت كذلك التنازلات يجب القيام بها في عالم الصحافه فلا يجب أن تسير نظرتك الخاصه

    على كل ما ينشر و حاول أشدد حاول ان تلبس ثوب احيادية و ان لم تستطع :)

    مبدع و أكثر

  2. نوفه…..
    لا تكن ليناً فتعصر ولا تكن قاسياً فتكسر.
    هي منطقة ما بين المنطقتين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>