أرشيف تصنيف ‘مقالاتي في جريدة الحياة‘
9 سبتمبر 2009
عبدالله ناصر العتيبي
تحدثت في الأسبوع الماضي عن الطريقة الحالية المستخدمة لمعالجة مرضى القاعدة، وقلت إنها غير فاعلة، لأن الفكر المحشور في رؤوس فتية «القاعدة» أصعب من أن يتم انتزاعه بجلسة مناصحة تدور فيها فناجين القهوة وأقداح الشاي!
العلاج يجب أن يتجاوز عقول هؤلاء الفتية إلى التربة التي تنتج الفكر القاعدي. لا يمكن أن ندّعي أننا نحرز تقدماً في علاج العقول الصغيرة المنثورة في مدن وقرى المملكة، فيما العقل الرئيس الذي يفرّخ يومياً عشرات العقول القاعدية الصغيرة، يغني بعيداً على خيبة ليلانا! العلاج مثلما قلت يجب أن يمس الكثير من الظواهر الاجتماعية والدينية والاقتصادية المتهمة بشكل مباشر وغير مباشر بإنتاج هذه النوعية من الكائنات المشوهة.
ذكرت في المقال السابق ثلاث طرق لمعالجة مد التطرف والتشدد في مجتمعنا الذي يدين بدين الله الوسطي، وهي اختصاراً:
أولاً: عدم الانحياز الرسمي لتفسير معين للنصوص المقدسة، هذا التفسير قد يكون صالحاً لزمان ومكان معينين، فيما دين محمد صالح لكل زمان ومكان.
ثانياً: تنظيف المناهج الدراسية من «البيانات» الدينية المرتبطة حصراً بأوقات الأزمات، علينا إذا ما أردنا النجاة بحياتنا وديننا أن نستبعد من مناهجنا أي محتوى ديني يتناسب مع حالة الطوارئ الدينية التي تحدثت عنها قبلاً. فكما أن من يسير في الشارع خلال إعلان حالة الطوارئ العسكرية معرض للقتل المبرر بحسب القادة العسكريين، فإن من يجنح نحو الاختلاف في تفسير المتشابهات في حالة الطوارئ الدينية معرض للإقصاء المبرر بحسب علماء الدين، والإقصاء المبرر ينتج عنه التكفير المبرر والقتل المبرر بحسب القاعديين الجدد.
ثالثاً: التوسع في برامج الابتعاث الداخلي والخارجي لأبناء الطبقات الفقيرة التي يحتل عقولها من يسبق إليها «بسبب متلازمة اللاجدوى الفقرية»، كما يقول إبراهيم البليهي بتصرف صغير.
وأضيف هذا الأسبوع سبع طرق أخرى:
رابعاً: كل أبناء الأرض مسلمون محتملون، لذلك يجب أن نتحدث إليهم عبر إعلامنا وحلقاتنا الاجتماعية بطريقة ودية تجعلهم يميلون نحو قراءتنا وقراءة ديننا، اقتداءً بهادي البشرية سيدنا وحبيبنا محمد بن عبدالله «صلى الله عليه وسلم» الذي كان يختار حسن القول في رسائله الدعوية للإسلام. نحن جميعاً نمثل في سكناتنا وحركاتنا أقنية دعوية في عالم اليوم الذي تتشابك مفرداته بشكل متسارع.
عندما يفهم المجتمع بكامله دوره الإسلامي الجديد، فإنه سيكون من الصعب على «القاعدي» المفرد، أن يخرج من حوزة الجماعة ليفخخ نفسه ويفجر الأبرياء المدنيين بحجة أنهم كفار «أو يتعاملون مع كفار»! تبني المجتمع كاملاً لمصطلحات الكفرة والكافرين والكفار، يساعد منظري الفكر القاعدي في إقناع العقول الصغيرة أن طريق الجنة يمتد إلى السماء من البقعة التي يتم فيها تفجير المسلمين المحتملين الذين يمكن أن يدخلوا دين محمد «صلى الله عليه وسلم» لو تم التعامل معهم بناء على المعطيات الإعــلامية الجديدة لهذا العصر.
مكتباتنا العامة والخاصة وتسجيلاتنا الإسلامية تحتوي على أرشيف ضخم من الدعوات إلى البراء من «الكفار» الذين يطببوننا، ويبنون بيوتنا، ويصنّعون سياراتنا، ويشغّلون مصانعنا، ويؤمنون أكلنا ويحيكون ملابسنا! نظرة مراجعة صغيرة إلى مناسباتية هذه الشعيرة العظيمة، زماناً ومكاناً، كفيلة بتقليص خطر تحول الفكر الحميد الرافض لمادية الغرب إلى فكر قاعدي خبيث، كفيلة بتقليصه إلى النصف.
خامساً: العمل على تنويع نشاطات أهل الحي الاجتماعية، هذا التنويع من شأنه أن يقلل من فرص تجنيد الشاب القابل «عقلياً» للتجنيد. «التقوعد» يكون أحياناً بسبب غياب البديل فقط. الكثير من شبابنا يقعون في فخ القاعدة لسبب بسيط جداً: تفجير الفراغ الروحي الذي لم ينجح العمل أو البيت أو الاستراحة في تفجيره. يسقطون في هذه الحفرة بسبب غياب الأنشطة الاجتماعية التي يأتي في أولها المحاضرات الحياتية التي يتبناها إمام مسجد الحي، وفي أوسطها الفعاليات التي تقام على مسرح الحي، وفي أوسطها أيضاً المهرجانات الموسمية الملونة التي تقام في حديقة الحي، وفي آخرها دار السينما الصغيرة التي تعرض الأفلام الخاضعة لرقابة رجل مسلم في وزارة الثقافة والإعلام.
سادساً: القضاء على «العلمانية المضادة» التي تفصل الحياة عن الدين. ليس هنالك من داعٍ لإلباس بعض الإدارات الحكومية لبوس الدين، ونزعه من إدارات أخرى، كل الوزارات والإدارات في المملكة تعمل تحت مظلة الإسلام، فلماذا نميّز البعض عن البعض. هذا التمييز ربما يخلق وصاية دينية قائمة على وظائف إكليروسية، تخلق بدورها سوط سلطة ومن ثم فكراً إقصائياً، قد يستغله كشافو القاعدة المتيقظون في الخلايا النائمة.
سابعاً: تفعيل دور التيارات المختلفة، الليبرالي المتطرف والإسلاموي المتطرف وما بينهما من المعتدلين، تحت قبة مجلس الشورى، بحيث يكون الاختلاف والاتفاق تحت أنظار الشعب والحكومة. صراعات البرلمان تكون بديلاً في أحايين كثيرة لدسائس ومؤامرات الجحور المظلمة.
ثامناً: تشكيل هيئة حكومية تعمل على ربط وزارة الخدمة المدنية بوزارة التعليم العالي لضمان توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، للحد من البطالة التي تجعل عادة من الشخص الواقع في حفرتها عدواً مفترضاً للمجتمع.
العاطلون المؤهلون تأهيلاً عالياً هم في العادة ضحايا محتملون للفكر القاعدي لأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها شعورهم بالظلم والغبن!
تاسعاً: الصرف على العاطلين عن العمل من بيت مال المسلمين حتى يجدوا لهم عملاً يكفيهم ذل السؤال وشر الوقوع في فخ القاعدة.
عاشراً: التخلص شيئاً فشيئاً من بكائيات فترتي الثمانينات والتسعينات الميلاديتين، تلك الفترة التي اعتقلت الإسلام العظيم في سجن المظاهر والقشوريات، وفتحت للساعين وراء الفوضى والخراب أبواباً رسمية مغطاة بمظلة شعبية، ولو كان الموهومون من الشعب على علم بمرامي وأهداف القاعديين الحقيقية لباعوا فترتي خديعتهم الثمانينية والتسعينية بأبخس الأثمان.
نحمد الله على سلامة الأمير محمد بن نايف، ونقرن حمدنا بأملنا بأن يستأصل الله وجود القاعديين من أرضنا حماية لديننا وشعبنا ومقدراتنا ومكتسباتنا.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 3 عدد التعليقات »
2 سبتمبر 2009
عبدالله ناصر العتيبي
مشكلة صغيرة:
الشجرة الصغيرة التي تزين ركن الصالة الغربية في بيتك تعاني من مرض نادر، المرض يخترق الجذر والساق لكنه لا يظهر بوضوح عليهما، أوراق الشجرة فقط هي التي تخضع لسطوة المرض، فتصفّر مرة، وتسوّد مرة. ومرة تتزخرف ببقع لا سوداء ولا صفراء، وإنما بين ذلك وصفا.
نصحك أحد البستانيين بعدم التعرض للجذر والساق بحجة أنك إن فعلت ذلك، فستتعرض لغزو وحشي من الأوراق السليمة «التي هي تحت إمرة الجذور والسيقان» في الشجيرات الشبيهة بشجرة الصالة الغربية التي تتوزع في غرف وصالات بيتك.
استمعت لنصيحة البستاني وصرت تعالج كل ورقة على حدة، تركت المرض في الجذر والساق وتعاملت مع أعراضه فقط في الأوراق. لكن الشق كان أكبر من الرقعة، وسرعة عملية التشقق كانت أقوى من مجهود الراقع، فكلما تم علاج ورقة مريضة ظهر بجانبها ورقة مريضة أخرى، أو عادت هي نفسها للاصفرار أو الاسوداد من جديد بعد أيام معدودات.
مشكلة صغيرة أخرى:
مصنعك الذي ينتج أنواعاً معينة من العصائر «الجماهيرية»، التي «لا تلبس العقال»، أصابته عين الحسد، اكتشفت دائرة الصحة في البلدية أن الكثير من العبوات الموجودة في السوق تعاني من خلل «ما» يسمح للإنزيمات الحافظة لصلاحية العصير بإفراز مادة غير معروفة تسهم في تفوق المحتوى القاعدي على المحتوى الحمضي. نصحك أحد العارفين بأمور التسويق أن تذهب لمنافذ البيع، منفذاً، منفذاً، وتفتح العبوات الفاسدة وتضيف على محتواها الأصلى محتوى حمضياً جديداً لعله يسهم في معادلة طعم العصير. خبير التسويق نصحك بعدم إيقاف المصنع نهائياً من أجل البحث عن المشكلة الرئيسة. الخبير يظن أنك إن فعلت ذلك، ستخسر الكثير من زبائنك، لأن الزبائن لن يعرفوا بمشكلة إضافة محتوى حمضي لمعادلة محتوى قاعدي في منفذ ما في قرية ما، لكنهم سيعرفون بلا شك بخبر إيقاف المصنع بسبب مشكلة تتعلق بسلامة العصير وبالتالي يتحولون عنك إلى منتجي عصائر آخرين.
ذهبت طائعاً مختاراً خلف نصيحة الخبير، لكن المشكلة كانت تتزايد مع توالي الأيام، فالمنافذ الـ (ما) والقرى الـ (ما) كانت تتوالد بشكل سريع، ما كان يفوّت على اسطول توزيعك الكبير فرصة اللحاق بعلاج مشكلة العصائر قبل انتهاء صلاحيتها!
البستاني وخبير التسويق مجتهدان بلا شك، لكنهما فازا بأجر واحد فقط!
في الجهة المقابلة للبستاني وخبير التسويق، يوجد الداعية الجماهيري «أو المشغول بعدد جماهيره» الذي يرى أن المتطرفين الجدد «الأوراق الصغيرة وعبوات العصائر» سيعودون إلى حضن المجتمع من جديد بمجرد أن يجلس معهم رجل وسطي ويدعوهم إلى «وسطية الله» التي حرفوها وتحايلوا عليها ليحققوا من ورائها ثمناً قليلاً.
يظن أرباب التيار الديني الجماهيري أن هؤلاء الفتية «المغرر بهم»، هم في الحقيقة نتاج لخطأ رجل «متحمس» أراد الصواب وأخطأه! فلا بأس من مناصحتهم والجلوس معهم والأخذ بيدهم إلى طريق السواء حتى وإن تسببوا في إزهاق أرواح بريئة وتخريب منشآت وطنية تقوم عليها قائمة البلاد والعباد.
الداعية الجماهيري مجتهد بلا شك، لكنه فاز أيضاً بأجر واحد!
الأوراق الصغيرة ستذبل بعد حين، والعصائر الفاسدة لها تاريخ صلاحية محدد وستُرمى بعد ذلك في حاويات النفايات، لكن الجذر سيظل منتجاً للأوراق المريضة، والمصنع لن يتوقف عن تزويد السوق بالعصائر الفاسدة. علينا بالجذر والمصنع إن أردنا نتيجة ناجعة لحربنا على الإرهاب والإرهابيين.
هؤلاء يرفعون المصاحف على أسنة الرماح، ويستخدمون الدين مطية لتطلعاتهم في الحكم ليس إلاّ، هؤلاء يريدون أن يطفئوا وسطية الدين بغلوّهم وانحرافهم ليتمكنوا بعد ذلك من الاستئثار بمصير العباد ورزق العباد.
علاج مرض التطرف يجب أبداً ألا يكون مقصوراً على الأعراض والظواهر… العلاج يجب أن يحدد مسبب المرض وآلية خرابه! ومن ثم التعامل معهما بشكل يليق بضعفهما أو قوتهما، لا فرق!
ما المسببات؟ وما الآلية التي يتم بها إنتاج هذا المرض؟!
ما الجذور التي يجب أن نداويها أو ننتزعها؟ وما المصنع الذي يحتاج إلى إصلاح أو إقفال نهائي؟
أولاً: تفسير الدين ليس حكراً على أحد، وليس خاصاً بأناس محددين دون غيرهم. نحن لسنا أوروبا القروسطية التي كانت تمنع الناس من قراءة الإنجيل ليفوز بابواتها بالحكم والثروات!! نحن أمة محمد التي خص الله أفرادها بعلاقة مباشرة معه.
العودة إلى تفعيل المذاهب الثلاثة الأخرى والسماح لعملية ازدهار الاختلاف ستساعد بلا شك على تحجيم دور منتجي «الأوراق المريضة والعصائر الفاسدة» لأنهم لن يكونوا في الملعب وحدهم، سيشاركهم ويختلف معهم «على الهواء» مفسرون ومؤولون من مذهبهم ومن المذاهب الأخرى.
ثانياً: مراجعة المناهج من جديد وإلغاء ما كان فيها متعلقاً بحالة الطوارئ الدينية التي كانت مسنونة في زمن ما لمواجهة مشاكل أكبر من مشكلة وجود حالة طوارئ! مناهجنا الآن تحتوي على الكثير من متفرعات قاعدة حالة الطوارئ الدينية الذهبية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. يجب أن نعلم أن الإسلام دين حياة وليس دين طوارئ! الطوارئ الدينية المستمرة خراب على البلاد والعباد وبيئة مناسبة جداً لتفريخ الإرهابيين والمشوهين لدين الله الوسطي.
حالة الطوارئ كان لوجودها ضرورة، كما ذكرت في أكثر من مقال، لكن استمرار وجودها الآن فيه عبث بعلاقة الدين مع الحياة اليومية.
ثالثاً: اختراق التجمعات السكانية الفقيرة بالابتعاث الداخلي والخارجي لتغيير الأفكار المشوهة التي تتوالد عادة بالقرب من سطح الفقر. الابتعاث فيه احتكاك بالآخر، وفيه تدريب على قبول رأي الآخر، وفيه «وهذا هو الأهم» تغيير للفكرة التي تقول: سأقتلك إن لم تتبع رأيي! الابتعاث لأولاد المقتدرين مالياً لن يضيف جديداً لحالة المجتمع الفكرية. الإضافة «الانقلابية» الحقيقية ستكون في حال الأسرة الفقيرة عندما يعود ابنها حاملاً معه شهادة عليا وفكراً جديداً.
«الأسبوع المقبل نكمل»..
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 4 عدد التعليقات »
26 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
مشهد أول:
لم تدخل الإمارات في مشروع الوحدة النقدية الخليجية احتجاجاً على تسمية الرياض مقراً للبنك المركزي الخليجي.
الإمارات تعتقد أنها المكان الأنسب لاحتضان البنك المركزي الخليجي نظراً لانفتاحها الاقتصادي الكبير وثقل مركزها المالي عالمياً. وكذلك بسبب عدم وجود أي من منظمات مجلس التعاون الخليجي بها بعكس أخواتها الدول الخمس الأخرى اللواتي تتوزع على أراضيهن علامات مجلس التعاون، والسعودية ترى أن وجود البنك المركزي في أراضيها حق طبيعي لها جاء من خلال تصويت أكثرية أعضاء المجلس.
كيف يمكن حل هذه المشكلة؟!.
انسحاب الإمارات (وقبلها عمان) من مشروع الوحدة النقدية سيؤثر بلا شك على بناء هذا المشروع الذي لم يولد بعد، وسيعطل بالتالي من مسيرة مجلس التعاون نحو التكامل. الاتفاق الاقتصادي بين دول المجلس هو الأساس الذي يمكن أن تتم عليه كافة الاتفاقات الأخرى، وإذا ما تعثر هذا الاتفاق لأي سبب فإن مشروع مجلس التعاون بكامله سينهار عاجلاً أم آجلاً.
كيف يمكن حل هذه المشكلة؟!.
هل تجهل الإمارات النظام الأساسي الذي قام عليه مجلس التعاون الخليجي؟!. أم أن السعودية تريد أن تستأثر بوجود البنك المركزي حتى ولو كان في ذلك كسراً لآلية التصويت المتفق عليها مسبقاً؟!
كيف نحل المشكلة؟!.
حسناً.. هناك أربع دول من أصل ست ستمضي قدماً في مشروع الوحدة النقدية الخليجية. لن يكون المشروع كما حلمنا به، ولن تتكامل دول المجلس، ولن يكون لها قوة اقتصادية مؤثرة تستخدمها في التفاوض مع الدول والهيئات الأجنبية، لكنه سيتم على أية حال. خديج ربما، أعرج ربما، أعور ربما، وربما متشائمة، أنه سيقف حجر عثرة في وجه التطور المالي لكل دول على حدة.
سيمضي المشروع، لكن كيف يمكن أن نحل المشكلة؟!.
مشهد ثان:
السعودية والإمارات تتفقان على أن يكون المرور بين البلدين باستخدام البطاقة الشخصية.
بعد سنة تعلن السعودية من جانب واحد إيقاف العمل بالمرور بالبطاقة الشخصية بسبب اعتراضها على شكل الخارطة على الهوية الإماراتية. السعودية تقول إن الخارطة الإماراتية لا تتفق مع الاتفاق الحدودي الذي تم بين البلدين عام ١٩٧٤م.
السعودية تقول أيضاً إنها حاولت بالطرق الديبلوماسية تنبيه المسؤولين في الإمارات إلاّ أنهم تجاهلوا كل الإشارات التي بعثتها الرياض حول هذا الأمر. الإمارات من جانبها تقول إن العمل بالبطاقة عبر الحدود بدأ منذ أكثر من سنة، فلماذا تم تصعيد هذا الأمر الآن؟!. هل لهذا التصعيد علاقة مع رفض الإمارات الدخول في الوحدة النقدية الخليجية؟!.
كيف يمكن حل هذه المشكلة؟!
الصحافة الإماراتية تناولت الموضوع من جوانب أخرى. التقت بعض المسافرين الإماراتيين على الحدود السعودية الإماراتية ونقلت معاناتهم التي ما كانت لتكون لو أن السعودية أعطت فترة سماح مناسبة لمن استخدم بطاقته المدنية في التنقل وهو موجود الآن في السعودية. عدد كبير من المواطنين الإماراتيين قالوا إن السلطات الحدودية السعودية أجبرتهم على العودة إلي سفارة الإمارات في الرياض ( ٦٠٠ كلم) للحصول من خلالها على وثيقة سفر مؤقتة تتيح لهم الخروج من الأراضي السعودية. إحدى الجرائد الإماراتية أضافت ٤٠٠ كلم إلى المسافة بين الحدود الإماراتية والرياض لتصير ١٠٠٠ كلم، لتظهر معاناة المسافرين بشكل أوضح وأكثر تأثيراً في النفس!!.
كيف يمكن أن نحل المشكلة؟!
حرية انسياب الحركة المرورية البرية بين الدول هي من الدعائم الرئيسة التي تقوم عليها التكتلات الاقتصادية حول العالم. وتكاد تكون هي الدعامة الرئيسة التي يتشكل عليها البناء الاقتصادي الموحد الذين تتكامل بعده باقي البناءات.
هذه الدعامة انكسرت بين السعودية والإمارات، ومن الممكن أن تنكسر بين الإمارات وعمان أو بين أي دولتين أخريين في مجلس التعاون بسبب مبرر صغير وغير منطقي من دولة معينة (السعودية في هذه الحالة) كما حدث قبل أيام. ومن الممكن أن تشن صحف الدولة الأخرى انتقادات لاذعة (كما حدث مع صحف الإمارات) تساهم في تقويض التعاون برمته وليس فقط اتفاق ثنائي.
كيف يمكن أن نحل المشكلة؟!.
المشكلة يمكن حلها باستنساخ مواد وقوانين الاتحادات العالمية الناجحة، الاتحاد الأوروبي مثلاً.
منذ ١٩٨١ ونحن نراوح في نفس المكان، لا تكلوا أمركم إلى أنفسكم فقط. نسخ التجارب الناجحة يضعكم في الطريق الصحيح. نسخ التجارب الناجحة أفضل من محاولات الصح والخطأ، التي يأتي من ضمنها عدم الدخول في الوحدة النقدية وإلغاء المرور الحدودي بالبطاقة المدنية!!.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 6 عدد التعليقات »
21 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
لماذا أحدثت فضيحة الشاب المجاهر بالمعصية كل هذه الضجة؟! لماذا صارت قضيته على رأس قضايا الرأي العام المحلي خلال الأسابيع الخمسة الماضية؟! هل هو الوحيد الذي يمارس مثل هذه الأعمال في مجتمعنا؟! هل كل أفراد المجتمع نظيفون من هذه الناحية؟! هل بيوت الناس الذين قذفوه بالحجارة مبنية جميعها من مواد صلبة غير قابلة للخدش والكسر؟! ألم يخطئ الناس «وهم الذين توجوا قضيته على رأس الرأي العام» بشكل أقل أو أكثر فداحة في يوم من الأيام؟!
الشاب أخطأ بلا أدنى شك، والخطأ كبير جداً، وغير قابل للتبرير، برغم محاولات أصدقائه في إحدى الصحف المحلية رمي التهمة على القناة اللبنانية التي أظهرته بتلك الصورة البشعة، الشاب أخطأ خطأً فردياً أظن أنه يستحق بموجبه نوعاً معيناً من العقوبة التي تتناسب مع استهتاره بالقيم والعادات والتقاليد المجتمعية.
هو أخطأ بلا شك، ولست هنا في موقف الدفاع عنه، أو التوسل إلى رجال القضاء لتخفيف العقوبة التي يمكن أن يقرروها عليه.
أنا هنا لأناقش طريقة تعامل المجتمع مع هذه الحادثة، قرأت تقريباً كل الأخبار التي تناولت قضية الشاب، وتابعت تعليقات القراء «الذين يعتبرون عينة دراسة من المجتمع» على هذه الأخبار في النسخ الإلكترونية للصحف، ومن خلال هذه التعليقات قرأت جملة «السيف الإملح» عشرات المرات، وقرأت جملة «اجتثاث الشاب» عشرات المرات، وقرأت جملة «تغليظ العقوبة» عشرات المرات، وقرأت جملاً تدعو إلى إنزال عقوبات قصوى في حقه مئات المرات!! عدد كبير من المعلقين يدعون من خلال ردودهم إلى «قتل الشاب» المجاهر بالمعصية بـ «السيف الإملح»!
هكذا ببساطة يدعون إلى إزهاق نفس بشرية لم ترتكب أياً من موجبات القتل الثلاث: الزنا للمحصن والردة والقتل!!
يجلسون خلف شاشـات كمبيوتراتهم، يلعبون حيناً مع أطفالهم، ويغازلون حيناً زوجاتهم، ويخفضون درجة تكييف الصالة التي يجلسون بها مرة، ويزيدونها مرة، ويؤكدون على السائق من خلال الاتصال به عن طريق الهاتف الجوال أن يجلب من السوبر ماركت أنواعاً معينة من الشيكولاه.
يفعلون كل ذلك بشكل أنيق وراقٍ وبطريقة تدل على تمدن كبير، لكن ما أن تعود عيونهم إلى شاشاتهم فإن هذا التمدن الكبير يتحول إلى تطرف في أقصى درجاته ودعوة للعنف غير محدودة «الصراخ» عندما يتعلق الأمر بمصير رجل أخطأ لا تربطه بهم وشائج دم أو نسب!!
لماذا يلبس المجتمع هذا اللبوس الموشى بالدبابيس والأشواك؟!
لماذا يكون وديعاً في حالات وعنيفاً جداً في حالات أخرى لا تستدعي أي درجة من العنف؟
لماذا تتبنى مفرداته عقوبات قصوى لا تتناسب عادة مع حجم الخطأ أو الجريمة «كما في حالة الشاب المجاهر بالمعصية»؟
هنالك أسباب عدة في رأيي تجعل المجتمع مائعاً بهذا الشكل ومتطرفاً إلى هذا الحد.
أول هذه الأسباب: يتمثل في عدم وجود قانون عقوبات «مكتوب» يحدد بالضبط نوع العقوبة وحجمها لكل جريمة.
لكن هل يمكن تحديد عقوبة معينة لكل جريمة؟ الخبرة السابقة والزمن القادم كفيلان بذلك، تقنين العقوبات سيجعل الناس على معرفة «ولو بشكل تقريبي» بنوعية العقوبة وحجمها، وبالتالي لا يتحدثون بمناسبة ودونها عن «السيف الأملح».
ثانياً: مجتمعاتنا ما زالت غير قادرة على فصل طبيعتها الكلية عن طبيعة أفرادها، كل المعلقين قالوا بأن الشاب المجاهر بالمعصية شوّه صورة المجتمع السعودي!! كلهم بلا استثناء اعتبروا جريمة الشاب وصمة عار على جبين كل واحد منهم!!
المجتمع لا يعترف أبداً باستقلالية أفراده ومسؤوليتهم الفردية الكاملة عن تصرفاتهم، بل يؤمن إيماناً كاملاً بأن خطأ الفرد هو بالضرورة منسحب على المجتمع بكامله، هذا التصور المغلوط تماماً جعل الكل «المعلقين الذين هم عينة وسطية من المجتمع» يدافعون عن وجودهم من خلال الدعوة إلى اجتثاث هذا الشاب الذي لوّن المجتمع كاملاً بخطئه الفردي.
ثالثاً: غياب ثقافة التطوع من مجتمعنا جعلت الكل «وأقصد أيضاً هنا بالكل: العينة التي تم رصدها»، جعلتهم يلغون من حساباتهم فضيلة التعاطف والأخذ بيد الآخر وإنقاذه «والإنقاذ في حالة الشاب المجاهر بالمعصية تكون بتهيئته نفسياً ليعود إلى المنطقة الصحية على محور المجتمع»، المجتمع هنا يعيش على ثقافة «جلد ما هو جلدك جره على الشوك»، فما دام الشاب ليس قريبي أو نسيبي فليذهب إلى حيث: لا يهمني!!
لو كان المجتمع مؤمناً بثقافة التطوع لبادر الكل «وهم العينة أيضاً» إلى إدخال الشاب المجاهر إلى دوائرهم الشخصية وبالتالي صار لزاماً عليهم أن يأخذوا بيده إلى الطريق الصحيح.
رابعاً: إيمان الجزء الأكبر من جسد المجتمع، باعتباره وحدة كلية، كما قلت، «بنظرية المؤامرة» فكل أمر مسيء يأتينا من الخارج، فإنه بالضرورة موجه لضرب إيماننا وطهرانية مجتمعنا بشكل مقصود!! والويل كل الويل «أو السيف الإملح» لكل من يكن طرفاً في هذه المؤامرة الخارجية سواء أكان من أبنائنا أو من أبناء الناس!
خامساً: المجتمع لا يزال يعيش في حالة الطوارئ الدينية، كما أشرت في أول مقال نشرته في هذه الصحيفة، يظن المجتمع أنه يجب التعامل مع الجرائم الصغيرة بشكل قمعي وبأساليب فيها الكثير من البطش، لأن في ذلك تحذيراً وتهديداً لمن يفكر في الجرائم الأكبر.
بالضبط قبل ثلاث سنوات، كتبت: «عندما بدأ الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله دعوته التصحيحية في «نجد» كان المجتمع «النجدي» آنذاك يعيش - بحسب أقوال أغلب المؤرخين - في ظلامات في بطن ظلمات… وجهل محاط بجهل… وكانت العقيدة الإسلامية التي يستمسك بها هذا المجتمع أبعد ما تكون عن العقيدة الإسلامية الصحيحة التي جاء بها محمد «صلى الله عليه وسلم. كانت الشركيات منتشرة في قطاع عريض من الهضبة النجدية، وكان أغلب الناس يعيش في جاهلية ثانية والشوائب الملتصقة بجسم الإسلام الصحيح كانت أكثر وزناً من الجسم نفسه، وهذا ما دعا الشيخ المجدد لأن يسن «حالة طوارئ دينية» لإعادة الناس إلى دينهم الحقيقي، وفي مثل هذه الحالات تصير القاعدة الذهبية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» هي الحامي والحافظ لمجتمعات من هذا النوع، وتصبح القاعدة الذهبية الأخرى «سد الذرائع» هي صمام الأمان الذي يبقي هذه المجتمعات في منطقة «الصحيح» دائماً، هاتان القاعدتان هما القاعدة الأساسية والبناء الرئيسي لأي حالة طوارئ دينية، فالتنوع والاختلاف والمتشابَه فيه والقابل لأكثر من تأويل لا مكان له بين ظهراني أناس بالكاد يتلمسون الطريق الصحيح للعودة إلى منابع الإسلام الصافية». انتهى الاقتباس.
وأظن أن حالة الطوارئ ما زالت مستمرة حتى اليوم، والدليل على ذلك تعامل الناس مع حادثة القناة اللبنانية.
* كاتب وصحافي سعودي – أبو ظبي
ano@alhayar.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
12 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
الإصرار على توزير بعض الفاشلين في البرلمان من تيار ٨ آذار، يعرقل تشكيل الحكومة…
«عقاب صقر – نائب عن تيار المستقبل»
صديقي اللبناني يقول إنه كان مدرساً لعقاب صقر في المرحلة المتوسطة، وعليه فهو يستغرب ترشحه ومن ثم فوزه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. يقول صديقي إن صقر غير مؤهل لأن يكون نائباً عن الشعب. هكذا يقرر صديقي، لكنني لا أجد لي طريقاً إلى الأخذ برأيه، فالمدرسون في العادة هم أتعس الموظفين في الأرض. يمر من تحت أيديهم المسؤولون والوزراء والنواب وهم «محلك سر». وليت الأمر يتوقف عند هذه الـ «محلك سر»، لو توقف لقلنا إن: «كل ميسر لما خُلق له». لكن السواد الأعظم من المدرسين لا يتمتعون بقدر كافٍ من الرضا عن آداء المسؤولين الذين كانوا طلبتهم في يوم من الأيام. لماذا؟ لأنهم يحاكمون آداءهم الآن من خلال الذاكرة التي تختزن آداءهم الطفولي!
أجد العذر لصديقي المدرس اللبناني، وأتفهم ظروفه النفسية والبندية (إذا ما كان يعمل تحت رحمة البند والكادر كما بعض مدرسينا)، لكني لست على استعداد أن أخفي حقيقة إعجابي بالنائب عقاب صقر. لست مستعداً لأن أجامل صديقي وأنساق خلف حقائقه التاريخية وأنا أرى الواقع بأم عيني. هذا أمر، الأمر الثاني يتمثل في الاسم الذي اختاره جد عقاب لأبيه، والاسم الذي اختاره أبوه له. فهذا التركيب العجيب لا ينقصه سوى إضافة اسم قبيلة شمالية أو نجدية لتكتمل أضلاع مثلث إعجابي به!
عقاب في التصريح المنسوب له أعلاه يرمي باللائمة على فريق المعارضة ويتهمهم بعرقلة تشكيل الحكومة، لكني على بعد آلاف الكيلومترات من بيروت أرمي باللائمة على كل اللبنانيين في مسألة عرقلة تشكيل الحكومة. ألوم السيد حسن نصرالله، وألوم سعد الحريري، وألوم وليد جنبلاط، وألوم ميشال عون، وألوم البطريرك صفير، وألوم ريما مكتبي «مذيعة قناة العربية»، وألوم الفنان عاصي الحلاني، وألوم الصحافية ريما صيرفي، وألوم أبو عبده الفران في حي الأشرفية، وألوم أبو صابر في مدينة صور الذي يربي أبناءه الأربعة من دخل محل تصليح الأحذية الذي أورثه إياه جده… أنا من هنا، من أبو ظبي ألوم كل اللبنانيين.
كانت الأكثرية أكثرية، وكانت الأقلية أقلية، وكانت الأزمات تتلاحق وتتوالى. ثم جاءت الانتخابات وظلت الأكثرية أكثرية والأقلية أقلية واستمرت الأزمات أيضاً في التلاحق والتوالي. لم تغير الانتخابات من الواقع المتأزم شيئاً، بل على العكس، ففيما كان الناس ينتظرون انفراجاً للأزمة التي تضرب أطنابها في الخريطة اللبنانية منذ أربع سنوات، عاد الوضع القديم لافتراش الطرقات البيروتية، مع تغيرات صغيرة في «التموضع» لا تغير من واقع الحال شيئاً.
السني اختار القوائم الانتخابية المعمولة بإشراف سني. والشيعي اختار القوائم الشيعية، والدرزي اختار القوائم الدرزية، والماروني اختار القوائم المارونية وهلم جراً. ومن ثم جاء نواب الطوائف «أو ملوكها لا فرق» إلى البرلمان يحملون معهم مشاكل وتعقيدات علاقات طوائفهم بعضهم ببعض. القاعدة السفلية من الانتخابات تمثل فرزاً طائفياً بامتياز، والقاعدة العلوية (نتيجة الانتخابات) تمثل مصالح زعماء الطوائف، رأس الدروز يعانق رأس السنة، ورأس المارونيين البرتقاليين يعانق رأس الشيعة الأصفر، وهكذا. وعندما جاء وقت تشكيل الحكومة برئاسة التحالف العلوي المكون من طوائف سفلية ظهر في الأمر ما ظهر من عوائق وحواجز وعراقيل.
التشكيل السفلي لـ «لبنان الديموقراطي» مكون من تكتلات طائفية، والتشكيل العلوي له مكون من رؤوس زعماء سبعة يديرون مصالحهم الخاصة اعتماداً على ثقل مرجعياتهم في الأسفل.
هذا هو الوضع العام اللبناني يا عقاب بن صقر، فكيف تريد تشكيل الحكومة بدون عراقيل؟!
عليك يا صقر أن تتحرر من ثقل «تيار المستقبل» أنت والطليعيون أمثالك. وتدعو الطليعيين في التيارات الأخرى كافة إلى التحرر من قيود «استغلال الدين» والطائفة. ومن ثم تكوّنوا تكتلات مستقلة قائمة على أسس مدنية، تدعو إلى تتويج لبنان تاجاً على رؤوس اللبنانيين، وليس تتويج زعماء الطوائف تاجاً على رأس لبنان كما هو الوضع الحالي.
عليك يا صقر أن تنشر ثقافة التيارات الوطنية المدنية وثقافة المستقلين والصابئين على دين الطائفة والقومية. عليك أن تدعو الناس إلى تأهيل وترشيح اللبناني غير المحكوم باسم طائفته. عليك أن تفعل ذلك ليتمكن شبيه سعد الحريري السني، وشبيه نصرالله الشيعي، وشبيه وليد بيك جنبلاط الدرزي، من الاختيار ما بين من يشبههم وبين من يخدمهم.
لن يستقيم وضع لبنان الديموقراطي وهو يعتمد في تشكيل فسيفسائه على الألوان الطائفية. لن يكون ديموقراطياً كاملاً وهو يعطي الأهمية الديموقراطية لشخوص يأخذون أهميتهم من خلال وضعهم العشائري والطائفي.
قلت قبل أسابيع إن الديموقراطية العربية «مضروبة» في كل الدول العربية التي تعتمد النظام الديموقراطي. فلا تداول السلطة مسموح به «وهو ما أسميه النصف العلوي من الديموقراطية»، ولا عمليات الاقتراع «النصف السفلي» سليمة من الخروقات والتزوير والترهيب والترغيب والتبشير. الكويت تشذ عن القاعدة العربية في مسألة النصف السفلي، فعمليات الاقتراع عادة ما تتم فيها من غير غش أو تزوير أو ضغوط، ويمكن للبنان أن يكون مثل الكويت لو كان أبو صابر الفران قادراً على التمييز ما بين مرشح الطائفة الذي سيخدم زعيم الطائفة ومرشح الحي المستقل المدني الذي سيسهم في خدمة حاجات أبو صابر وأم صابر وأبناء أبو صابر الأربعة.
لبنان يا صقر يحتاج إلى نوع معين من «العلمانية» ينص على فصل المتاجرة بالطائفة الدينية عن الدولة، هذا النوع من العلمانية سينقذ الناس أولاً من حالة التكلس الطائفي، ومن ثم يصنع رموزاً مدنية تستطيع أن تشكل حكوماتها بعيداً عن مسألة الثلث المعطل «أكثرياً»، الضامن «أقلياً». العلمانية العربية المفصلة على الجسد اللبناني يا صقر هي من سيقضي على الوزير الملك الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في بيروت برغم أنه كائن لا وجود له.
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 1 تعليق »
5 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
الحياة - الاربعاء، 05 أغسطس 2009
هل يمكن أن تختفي الصحافة الورقية فعلاً، كما يروج عرابو الصحافة الإلكترونية؟! هل بإمكان الوحش الإلكتروني القضاء على إمبراطورية المطابع والرولات الورقية والأحبار؟! هل أثر سلباً حضور القنوات الفضائية في السنوات الأخيرة على الثقة والحميمية اللتين تربطان القارئ الصباحي بجريدته؟
الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة تحتمل كلمتين متناقضتين: «نعم» محلياً، و«لا» عالمياً!
غداة الاعتداء الإسرائيلي على قطاع غزة في أواخر شهر (كانون الأول) ديسمبر الماضي، توقعتُ أن أجد في الصحف المحلية قصصاً تميز كل صحيفة عن الأخرى، ظننت أن كل صحيفة ستفتح ملفاً خاصاً بها اعتماداً على أمرين رئيسين، الأول: هو أن الاعتداء الإسرائيلي حدث في منطقة قريبة منا جداً، الأمر الذي يسهل حمل الانفرادات الصحافية وإيصالها إلى مكاتب الصحف في الرياض أو جدة أو الدمام، والثاني: يتمثل في أن هذا الاعتداء كان في وقت مبكر من النهار وبالتالي كان أمام الصحف وقت طويل «ثماني أو تسع ساعات» للخروج بعشرات القصص الحصرية والخاصة.
قرأت الصحف واحدة واحدة ولم أجد في أي منها قصة تميز صحيفة عن أخرى، كلها تتحدث عن رقم واحد من القتلى والجرحى «مع أن الرقم كان يتغير كل ساعة»، كلها تشجب العدوان في العناوين والمقدمات ثم تدخل في لغة وكالات الأنباء في بقية الموضوع، كلها «وهنا تكمن المصيبة الكبرى» تنقل خبر الاعتداء لقارئها وكأنه قد حدث قبل ساعة واحدة فقط!
لو أن صحفنا المحلية كانت تعي دورها «المتحول» بعد ظهور المواقع الإلكترونية الإخبارية والقنوات التلفزيونية الإخبارية لخرجت في اليوم التالي بصيغة تجعل من حضورها الإعلامي في وجدان المتابع العادي للوسائل الإعلامية مشعاً وغير قابل للانطفاء.
لو أن صحفنا المحلية حركت مراسليها الحصريين في موقع الحدث «الذين يعتبرون رؤوس أموال الصحف في دورها المتحول الجديد»، وجندت خبرات محرريها ومترجميها في مكاتبها الرئيسية وخرجت بقصص على شاكلة:
- ما نوعية القنابل التي ألقيت على القطاع أول مرة، وهل لهذه النوعية من القنابل سجل تاريخي بالنسبة لإسرائيل، ومتى كان أول وآخر استخدام لهذه القنابل على مستوى العالم؟
- كيف أذاعت وسائل الإعلام الأجنبية «التي هي في العادة موجهة للرأي العام في محيطها» خبر الاعتداء؟ هل تعاملت معه على أساس أنه دفاع عن النفس أم اعتداء صريح؟ هل الصحف الإلكترونية والقنوات الإخبارية الأميركية والأوروبية والآسيوية نقلت الموضوع بحيادية، أم أنها مالت مع أحد الفريقين المتحاربين؟
- تقرير عن أحد الشهداء الذين انتقلوا إلى رحمة ربهم في الضربة الأولى، يتناول أحلامه، آماله، تفاصيل حياته في الساعات الأخيرة التي سبقت استشهاده، من خلال الالتقاء بأقرباء أو أصدقاء له.
- تقرير يتناول وقت بدء الغارات الإسرائيلية على القطاع، لماذا اختارت اسرائيل هذا الوقت لبدء هجومها، وهل لها سوابق إجرامية في مثل هذا الوقت، وما وجهة نظر الخبراء العسكريين حول اختيار إسرائيل لهذا الوقت بالذات؟
- ما موقف الشارع الغربي من الاعتداء الإسرائيلي؟ كيف يقيم الفرنسي، الذي يتريض عصراً في إحدى ضواحي باريس، الاعتداء؟ كيف يرى الهولندي الذي يتناول عشاءه في أحد الفنادق الفخمة في لاهاي القصف الإسرائيلي المتتابع والثقيل على النساء والأطفال العُزل في غزة؟
- الالتقاء بخبير في حروب الشوارع للحديث عن الكيفية التي ستُدار بها المعركة ما بين الحماسيين والإسرائيليين في حالة نشوبها «شوارعياً».
- تقرير يتناول الأماكن التي تواجد بها خالد مشعل وإيهود أولمرت عند بدء القصف الإسرائيلي، ومتى كان آخر ظهور إعلامي لكليهما؟ وما اللغة التي تحدث بها كلاهما قبل الاعتداء وبعده؟
- و… و… وعشرات القصص التي يمكن الحصول عليها من خلال إضاءة الزوايا المعتمة التي تحيط بالخبر الرئيس.
لو أن صحفنا المحلية وعت حقيقة المرحلة الحرجة التي تعيشها لعرفت كيف تتعامل مع الواقع الإعلامي الذي نعيشه اليوم، من خلال البحث عن صيغ جديدة لوجودها، كما أشرت في المثال أعلاه، لأنها إن ظلت تتعاطى مع قارئها بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها مند عشرين أو ثلاثين سنة، فستجد نفسها نامت في قبرها الذي «تحفره الآن بوعي غائب» بعد سنوات قليلة مقبلة.
على صحفنا المحلية أن تنفض عن نفسها سياسة موزعي الصحف عند الإشارات المرورية الذين يروجون لصحفهم بأخبار الجرائم التي حدثت مساء أمس، كما كان يظهر في الأفلام المصرية القديمة، عليها أن تنفي نفسها من هده المنطقة وتتبنى الشكل المتحول الذي يبقيها في دائرة الضوء من خلال إتباع إجراءات كثيرة من بينها:
- التعامل مع الأخبار اليومية على أساس أنها وسيلة باعثة وليست غاية في ذاتها.
- إضاءة الزوايا المعتمة التي لم تصلها عيون كاميرات التلفزيون، ولم يستطع أن ينيرها الفضاء السايبروني الذي يضم الصحف الإلكترونية.
- الاهتمام الكبير بالمراسلين والاعتماد عليهم في حال ورود الأخبار من مناطقهم، فالمراسلون الجيدون هم في العادة الذين يصنعون الأخبار الحصرية.
- التركيز أكثر وأكثر على الصحافة الاستقصائية، فهي التي جعلت من صحف نيويورك تايمز والواشنطن بوست والليفجارو والجارديان والديلي ميرور أيقونات دائمة في نشرات أخبار القنوات الفضائية.
- الجنوح أكثر وأكثر نحو المواد التوثيقية التي تجعل من الصحف مرجعاً يومياً طازجاً.
- الابتعاد عن الإخبار المباشر بالأخبار الرئيسية التي تُشبع حديثاً وجمعاً وطرحاً وضرباً قبل صدور الصحيفة بساعات.
«الوحش الإلكتروني» على الأبواب، والخيار للصحف الورقية المحلية، إما أن تتحول إلى وحوش تقارعه وتنافسه وتخاصمه وتقف موقف الند منه، وإما أن تنعم في بطنه بالهدوء والسكينة!
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 1 تعليق »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
أعلن الحكم نهاية مباراة البرازيل وأميركا. صاحت آلاف الجماهير في الملعب احتفالاً. تضامن مع صيحاتها مئات الملايين من الناس في أرجاء المعمورة. لا غرابة في الأمر، ففريق البرازيل لكرة القدم هزم الفريق الأميركي وطار بكأس القارات للمرة الثالثة. الفريق البرازيلي هو الفريق الأثير لدى غالبية أهل الأرض. الهنود والفلبينيون والفلسطينيون والتشاديون والألبانيون والنيكاراجويون والجنوب أفريقيون والسعوديون والمنغوليون ربما يختلفون حول طريقة الوقوف خلف منتخبات بلدانهم، لكن الغالبية الكبيرة منهم تتفق على مساندة أبطال السامبا أينما ارتحلوا وأينما حلوا. ومثل الجنسيات التسعة المذكورة تصطف عشرات الجنسيات في حديقة حب الفن البرازيلي منذ الخمسينات حينما كان “بيليه” يرسل رسائل (الحب والإخلاص والتسامح) عن طريق موهبته الكروية العظيمة.
أعلن الحكم نهاية المباراة، فتأججت مشاعر مئات الملايين ووصلت إلى الحدود العليا من “التبخر الروحي” و في مرحلة التبخر الروحي تتداخل القناعات والمسلمات والاعتقادات فتصبح شيئاً هلامياً رجراجاً يمكن اختراقه بسهولة.
أعلن الحكم نهاية المباراة، فخلع الولد الموهوب جداً “كاكا” فانيلته وأومأ لزملائه أن افعلوا مثلما فعلت. وكانت المفاجأة أن لاعبي المنتخب البرازيلي جميعاً كانوا يلبسون فانيلات داخلية بيضاء تحت فانيلاتهم الرسمية مكتوب عليها جملٌ تتحدث عن حبهم وانتمائهم للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام.
المسيحيون البرازيليون عبروا عن انتمائهم لدينهم وحبهم لرسولهم المسيح عليه السلام بطريقة حضارية وراقية جداً وذكية جداً جداً جداً. نحن المسلمون أيضاً نحب المسيح عليه والسلام. ونؤمن تمام الإيمان أن رسالة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ناسخة للنبوءات والرسالات التي جاءت قبلها بما فيها رسالة المسيح عليه السلام، لكننا في المقابل نحترم كثيراً الطريقة التي عبر بها البرازيليون عن مدى تعلقهم بدينهم ورمز دينهم. ونعرف أنهم بهذه الحركة الذكية قد كسبوا مئات الألوف من القلوب المترددة والخائفة والمصابة بالشك وتلك التي قررت أن تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة!!.
الاعتقادات والمسلمات والقناعات تتداخل في أوقات الحزن الشديد والفرحة الشديدة، وبالتالي يسهل على من يريد أن يدعو لملته أن يستغل هذه الأوقات تحديداً ليملي ما يريد أن يمليه بشكل غير مباشر.
كاكا وزملاؤه كانوا يوم الأحد الماضي تبشيريين بامتياز. كانوا – من وجهة نظري – أفضل من دعى للدخول في المسيحية خلال المائة سنة الماضية. لم يرفعوا أصواتهم. لم يرفعوا سيوفهم. لم يشككوا في بقية الأديان. كل ما فعلوه أنهم قالوا إننا نحب المسيح وننتمي له أمام مئات الملايين من المشاهدين المعجبين المتحفزين “المتبخرة أرواحهم”.
قبل ثمان سنوات كان هناك رجل آخر يشبه كاكا في الكارزماتية، لكنه يختلف عنه في العقلية. قبل ثمان سنوات أراد شخص يدعى أسامة ابن لادن أن يحول أميركا المسيحية إلى بلد إسلامي من خلال الانتقام منها أولاً - حسبما كان يقول – لوقوفها ضد المسلمين في كل مكان في العالم، ومن ثم يدعوها للإسلام (جهادياً) عن طريق الطائرات المفخخة بمئات الركاب!!.
قبل هجوم ابن لادن (الطائراتي) كان الدين الإسلامي في أميركا، الدين الأكثر انتشاراً. ولم يكن هناك في طول أميركا وعرضها مدينة واحدة أو ولاية واحدة ترفض إنشاء الممساجد والمراكز الإسلامية. وبعد هجومة تحولت أميركا إلى بلد عصي على الإسلام. صارت دوائرها تلاحق المسلمين في كل مكان وتضيق عليهم وتدفع المهاجرين والطلبة دفعاً للخروج إلى بلدانهم، خصوصاً الفاعلين في المجال الدعوي، ومن لا يخرج منهم تُلبسه تهماً مزيفة وترميه في السجن لبقية عمره كما حدث مع السجين السعودي حميدان التركي فرج الله كربه.
جهاد ابن لادن والظواهري وبقية (الكهفيين) في تورا بورا يختلف كثيراً عن جهاد كاكا ورفاقه يوم الأحد الماضي في جوهانسبيرج. جهاد الفريق الأول لم يقم وزناً لحالة العصر وشكل العالم في الألفية الثالثة، بينما جهاد الفريق الثاني تعامل بشكل عقلاني مع حالة الزمان وتفاعلاتها وإرهاصاتها وتبعياتها. حالة الغضب الكبير الذي تولدت بسبب الجهاد الأول صنعت جداراً عازلاً بين المسلمين وإسلامهم وبقية ديانات العالم. وحالة “التبخر الروحي” التي تزامنت مع الجهاد الثاني قد تكون سبباً في دخول الكثير من اللادينيين والتابعين لطوائف أخرى إلى الديانة المسيحية.
ماذا لو اشترى ابن لادن عام ١٩٩٢ أو ١٩٩٣ نادياً أوروبياً كبيراً وجلب له أغلى اللاعبين والمدربين. وطعّمه بستة أو سبعة لاعبين مسلمين ذوي مستويات عالية، وصار يطلب منهم بعد كل فوز ببطولة أن يخلعوا فانيلاتهم الرسمية ويتجولوا في الملعب بفانيلاتهم (الداخلية) المكتوب عليها: أنا أحب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأحب كذلك المسيح بن مريم عليه السلام. أليس هذا جهاد عظيم يناسب الوقت والمرحلة؟!
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 1 تعليق »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
نشر أحد المواقع الإخبارية السعودية خبراً عن إقامة احتفال غربي بمناسبة إحياء ذكرى القديس جورج في( جزء ما) من مدينة الرياض. الجزء الـ (ما) يمكن أن يكون حرم سفارة غربية ويمكن أن يكون بيتاً لأحد الديبلوماسيين الغربيين وربما يكون ساحة في مجمع سكني خاص بجاليات أجنبية.
الموقع الإلكتروني تناول الاحتفال بلغة حادة ولهجة مستهجِنة، وربط إقامة مثل هذه الاحتفالات في الرياض بمخالفة أنظمة البلاد وقوانينها. ودعى الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات تضمن عدم إقامة مثل هذه الاحتفالات مرة أخرى مع الدعوة إلى محاسبة الشركات السعودية التي رعت هذا الاحتفال.
بعد آخر نقطة في الخبر، توالت ردود القراء بشكل (قطيعي). الجميع ثائرون. الجميع يشتمون. الجميع يدعون إلى اجتثاث هذه الفئة الغربية المخربة. الجميع يدعون إلى مقاطعة الشركات السعودية الراعية للاحتفال. الجميع مستاؤون من الوضع بشكل عام.
حسناً… أمر جميل أن يغار الناس على على ما يعتبرونه اختراقاً (وهو ليس اختراقاً في الحقيقة) لمنظومة القيم الإسلامية التي تميز المجتمع السعودي دون سواه ( وهي في الحقيقة لا تميز المجتمع السعودي دون سواه!!)، لكننا تعودنا منذ سنوات عديدة أن نستثمر كلمة (الخصوصية) خير استثمار!!. أمر جميل أن تثور ثائرة القوم. مجرد ثورة القوم الأخلاقية يعتبر في رأيي عملاً محموداً يستحق الثناء، لكن – ومع بالغ احترامي الكبير لكل من علق على الخبر الإلكتروني – دعوني أفاجئ الحكاية من الجهة المقابلة. ماذا لو نشر موقع الكتروني ألماني صورة لمسلمين أتراك يتناولون إفطارهم بشكل جماعي في بيت أحدهم بعد صيام يوم عرفة. وماذا لو قرأنا تحت الخبر ردوداً ألمانية عنيفة ( وهذا أمر وارد) تدعو إلى طرد المسلمين من المانيا لأنهم يخترقون بعاداتهم الدينية منظومة القيم المسيحية. ماذا سيكون موقف الشباب المتحمس الذين توالت ردودهم على موصوع القديس جورج؟! أقول لكم: سيحتجون. سيعترضون. وسيتهمون الألمان بلائحة طويلة عريضة من التهم يقف على رأسها محاربة الإسلام. وربما يتطوع أحدهم وينادى بسحب السفير السعودي من ألمانيا وطرد السفير الألماني من الرياض.
هذان الموقفان المتباينان جداً يبينان لنا حجم الازدواجية التي تعيشها مجتمعاتنا. هذا الموقفان المتباينان (المتغلغلان في عقولنا) يأخذانني إلى خيارين لا ثالث لهما:
إما أن نخضع لشروط التعايش السلمي العالمي الذي تنادي به الأمم المتحدة ونتقبل الآخرين كما هم بشرط أن يتقبلونا كما نحن.
وأما أن ننكفيء على أنفسنا ونرفض الآخر وبالتالي لا نستغرب رفضه لنا.
* * *
يجلس رب العائلة من أولاده أمام التلفزيون يتابعون مسلسلاً مصرياً (رديئاً في أغلب الأحوال). يتناقشون حول المشاهد السخيفة والجيدة. يضحكون على صرير السيارات على أرض ترابية. يستهزئون بطريقة توجيه البطل لكمة خطافية إلى وجه الرجل الشرير. و يتهكمون على كمية الماكياج الثقيل جداً الذي يغطي وجه النجمة مع أنها لم تصحو من النوم إلاّ قبل عشر ثوانٍ فقط!. يتحدث أحد الأولاد عن حاجة العائلة لتلفزيون جديد يكون آكبر من التلفزيون القديم. تتدخل البنت الوسطى وتقترح تلفزيون ٤٢ بوصة ذا شاشة مسطحة. الأخ الأصغر يعترض. يريد تلفزيوناً ذا ٥٤ بوصة. يتجاهل اعتراضه الجميع، ويتفقون على شراء التلفزيون الذي اقترحت شراءه البنت الوسطى.
من الغد، يذهب الأب إلى عمله، وهناك يسمع عن أن فيلم “مناحي” السعودي قد عرض البارحة في الرياض على شاشة السينما. تثور ثائرة الأب، ويشتم من يشتم، ويدعو على من يدعو، ويتألم لحال الأمة التي بدأت شيئاً فشيئاً تضيّع طريقها (المحجة البيضاء) بحسب رأيه.
الأب ليس لديه مشكلة في أن يزيد عدد بوصات شاشة التلفزيون من ٣٢ إلى ٤٢ بوصة، لكنه ضد زيادة عدد بوصات الشاشة من ٤٢ إلى ١٥٠٠ بوصة مثلاً. يوافق على الزيادة الأولى من دون أي منطلق. ويرفض الزيادة الثانية من منطلقات شرعية!!.
نسبة السعوديين الذين يشاهدون التلفزيونات الصغيرة تقترب من المئة في المئة، لكن لو عملنا استفتاءً لمن يريد التلفزيونات الكبيرة ذات الـ ١٥٠٠ بوصة في البلاد فلن تزيد النسبة كما (أظن وأرى وأسمع وأشاهد) عن أربعين في المئة. لماذا يوافق أغلب الناس على وجود التلفزيونات الصغيرة ويرفضون مجرد فكرة وجود التلفزيونات الكبيرة.
ازدواجية الأب في التفكير تقودني إلى تبريرين لا ثالث لهما:
إما أن التبذير في استخدام (البوصات المربعة) غير مستحب شرعاً، وإما أن هذا المجتمع الذي يمثل الأب أحد أفراده ينساق بشكل (قطيعي) خلف الحالة المزاجية لأناس محدودي العدد، تظهر عليهم سيماء الصلاح، يرفضون الشاشة الكبيرة من مبدأ: أما وقد دخل التفلزيون الصغير بالرغم من رفضنا له، فلا بأس من إعادة الكرّة مع التلفزيون الكبير.
* * *
الأميركيون يطلبون منا دائماً تعديل المناهج بشكل يلغي منها خطاب الكراهية ضد المسيحيين واليهود كما يقولون. آخر هذه المطالبات تقدم بها ثلاثة من أعضاء مجلس النواب الأميركي إبان زيارة باراك أوباما للسعودية قبل أسابيع. النواب الثلاثة يطالبون السعودية بإلغاء ما يسمونه خطاب كراهية ضد اليهود والمرأة. المناهج السعودية حسب هؤلاء الثلاثة تقول أن القيامة لن تقوم قبل أن ينتصر المسلمون على اليهود في فلسطين، وهذا يمثل خطاب كراهية ضد اليهود يجب أن يُجتث من أوراق المناهج السعودية قبل أن يعشعش في عقول الأطفال. والمرأة أيضاً ممتهنة في المناهج السعودية، فهي، بحسب أيضاً هؤلاء الثلاثة، تساوي نصف الرجل!!. هكذا كتبوا… نصف الرجل على الإطلاق.
هذه الدعوات وقبلها كثير تجعلني أفكر في الأمر مرتين:
أولاً … لماذا لا نطالب نحن أيضاً بتغيير الكثير من المواد التي تتعرض للعرب والمسلمين في المدارس والجامعات الأميركية. لماذا أيضاَ لا نطالب بإعطاء الهنود الحمر حقوقهم كاملة في مناهج التاريخ الأميركي. ليس شرطاً أن يُطالب بهدا الأمر مسؤول حكومي، وإنما يمكن أن يقوم بذلك ناشطون اجتماعيون أو مثقفون أو أعضاء مجلس الشورى.
ثانياً… عمل مذكرات تشرح حقيقة ما يفهمونه بشكل صحيح أو خاطئ في المناهج. الإسلام يقول أن القيامة لن تقوم حتى ينتصر المسلمون على اليهود في فلسطين وهم في مناهجهم يقولون أن القيامة لن تقوم حتى ينتصر اليهود والمسيحيون على المسلمين في معركة هرمجدون. هذه (صحيحتنا) التي لا نريد أن نغيرها، وعليهم الاحتفاظ (بصحيحتهم) مقابل ذلك. أما المرأة فلا بأس من شرح خطأهم الذين وقعوا فيه لإزالة اللبس عنا وعنهم.
آمر آخر متصل بالموضوع لكنه في سياق مختلف. النظر في أمر مناهجنا من ألفها إلى يائها أمر صحي، ليس من أجل العيون الأميركية الزرقاء ولكن كم آجل عيوننا العسلية. فعلى سبيل المثال، ليس صحيحاً أن أرى كتباً منهجية في مصر ولبنان وسوريا والعراق تتحدث “العراق القديم” و “مصر القديمة” و “لبنان القديم” و “سوريا القديمة” ولا أجد ضمن مناهجي مادة واحدة تتحدث عن “السعودية القديمة”.. اسم الدولة الأخير ينسحب على تاريخ الأرض، كما أفهم. تاريخ فجر الحضارة الإسلامية والممالك والأمارات التي توالت على جزيرة أرض العرب هو في الحقيقة تاريخ السعودية القديم. لبنان كان اسما لجبل فقط قبل ١٠٠ عام، لكن المناهج اللبنانية الآن تعتبر تاريخ الفينيقيين منضوياً تحت تاريخ لبنان العام القديم.
تغيير مناهج التاريخ بداية جيدة كما أظن لتغيير باقي المناهج المستقبلية.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
اختيار الشعب الإيراني لمحمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية يعني بالنسبة لي :
* أن أفراد المنتخبات الإيرانية للرياضات المختلفة وجماهيرهم في طول البلاد وعرضها لم يشاركوا في الانتخابات.
الراصد لأشكال واتجاهات اللاعبين الإيرانيين في المنتخبات الكروية وغير الكروية وجماهيرهم الكثيرة، يلحظ أنهم بعيدين كل البعد عن المنهج المتشدد لأحمدي نجاد. الوجوه حليقة و الأناقة في درجاتها العليا و الاندفاع للحياة والإقبال عليها يظهر فهماً عميقاً لحقيقة “إيران العالمية”. هذه الإشارات تقول إن الرياضيين وجماهيرهم سيختارون رئيساً إيرانياً يشبههم، لكن لأن القوانين الإيرانية تنص على وجوب موافقة مجلس صيانة الدستور على المترشحين للرئاسة، فإن هذا المرشح “الحلم” لأغلب الشعب الإيراني قد طار قبل أن يصل إلى صناديق الاقتراع، وجاء بديلاً له أربعة أشخاص يتباينون في درجة التشدد. هناك المتشدد الأعلى وهناك المتشدد الأدنى. وليس أمام الشعب الإيراني إلاّ إعادة توجيه أولوياته وخياراته وآماله بناء على إملاءات مجلس صيانة الدستور. لكن ماذا لو لم يتحقق للناس حد أدنى من الأولويات والخيارات والآمال في المرشحين؟! الجلوس في البيت هو البديل المناسب. وهذا ما فعله – على أغلب الظن – اللاعبون وجماهيرهم الكثيرة.
* الفنانون الإيرانيون ومحبوهم في عرض البلاد وطولها لم يشاركوا أيضاً في الانتخابات. لا أظن أن نجاد أو كروبي أو رضائي أو موسوي خيارات جيدة للموسيقيين والسينمائيين والممثلين والتشكيليين والفوتوغرافيين والشعراء والأدباء. مرشح النخب الفنية سقط أيضاً في اختبار مجلس صيانة الدستور ولم يستطع أن يظهر رأسه للناس لينتخبوه بسبب عدم أهليته لرئاسة إيران كما يرى أعضاء المجلس البالغ عددهم اثنا عشر عضواً فقط!!. النخب الفنية جلست في بيوتها أيضاً بسبب انكماش آمالها وخياراتها وأولوياتها.
* فقراء إيران الذين يمثلون النسبة الأعلى من عدد السكان لم يذهبوا لصناديق الاقتراع يوم الجمعة الماضي. احتجوا ضمنياً على أوضاعهم وبقوا في بيوتهم نكاية في الأربعة المترشحين ونكاية في مجلس صيانة الدستور الذي لم يوافق على ترشح واحد من المرشحين الذين يصيحون ليل نهار: بترول إيران وغازها لكافة الشعب وليس فقط للحوزات التي تعتقد أنها بامتلاكها المال من جهة وإفقار شعبها من جهة تستطيع أن تقوي “التشيع” في نفوس الجيل الجديد من جهة مقابلة وتصدير الثورة من جهة مقابلة أخرى.
* النساء الإيرانيات الجميلات اللواتي “يتمنعن عن التحرر وهن راغبات” لم يصوتن أيضاً للمرشحين الأربعة. للنساء هناك متطلبات عديدة يقف في وجهها عادة مجلس صيانة الدستور ذا الاثني عشر عضواً ذكراً، كامل الذكورة. يكفي أن نرى صوراً للإيرانيات في شوارع المدن الرئيسة لنعرف أن هؤلاء النسوة اللواتي يرتدين النظارات الشمسية على الطريقة الغربية ويصبغن شعرهن باللون الأشقر الغربي يردن مرشحاً ينتشلهن من “تمنعهن” وهن راغبات. هذا المرشح ليس بالتأكيد نجاد وليس رضائي وليس موسوي وليس كروبي. هذا المرشح يلبس البدلة الكاملة المكونة من ثلاث قطع. ويحرص أكثر على وجود القطعة الثالثة(ربطة العنق). لكن بما أن هذا المرشح تم نخله من قبل القانونيين الستة والملالي الستة فقد ظل مجهولاً لنساء إيران، وبالتالي “وقرن” في بيوتهن احتجاجاً على تهميش ممثلهن.
* أغنياء إيران لم يصوتوا في هذه الانتخابات بسبب احتجاجهم على الطريقة التي يدار بها الاقتصاد الإيراني. أغنياء أيران يؤمنون بمبدأ النفعية في إدارة الحكومة، و “الرؤية الملالية” التي تحكم إيران من الباطن تؤمن أن ينبوع الثروات يجب أن يصب في مصالح الثورة. المدنيون الاقتصاديون الذين تقدموا لمجلس صيانة الدستور للموافقة على ترشيحهم لرئاسة إيران تم إبعادهم بطريقة لا تسمح حتى بمعرفة أسمائهم. والأغنياء ومن يمت لهم بصلة جلسوا في بيوتهم بانتظار “المهدي الاقتصادي”!!
* المهاجرون الإيرانيون الذين انتشروا في بلاد الله الواسعة لأسباب اقتصادية أو سياسية لم يشاركوا أيضاً في الانتخابات. الأمر سيان بالنسبة للعامل الإيراني الذي يعمل في مقهى قطري براتب يبلغ ثمانمائة ريال قطري، الأمر سيان عنده سواء فاز نجاد أو موسوي أو حتى علي دائي مدرب المنتخب الإيراني السابق المغضوب عليه في بلاده حالياً، فالرئيس الإيراني الجديد لن تكون يده طويلة بحيث يأمر صاحب المقهى القطري بزيادة راتب العامل الإيراني. والمهاجر سياسياً لن يعود لينتخب قبل أن تخمد نار البركان الذي اندلعت في نهاية سبعينات القرن الماضي.
الرياضيون والفنانون والفقراء والنساء والأغنياء والمهاجرون لم يشاركوا في الانتخابات الإيرانية!! من شارك إذن؟! الأغلبية لم تشارك في تنصيب رئيس لإيران!! إذن ما هي الأقلية التي استطاعت أن تسرق إيران؟!!
الأقلية التي تمثل جماهير ومحبو آية الله خامئني وجماهير ومحبو بقية الآيات في “قم” صوتوا بكثافة لمصلحة نجاد. لماذا؟! لأن نجاد ضمانة جيدة. فهو من جهة سيحافظ على صدارة الملالي والحوزات لرأس النظام في إيران، ومن جهة ثانية سيحرص على إمداد “القوة الشيعية” بالمكاسب المتحققة والتي تتحقق والتي ستتحقق على مستوى الناس والأرض!.
لكن أين ذهبت الأغلبية التي لم تصوت؟!. هي في الشارع الآن. ربما تطفيء الحشود البشرية نار البركان عن طريق سد عين النار بالأجساد البشرية، وربما تحرق النار هذه الحشود لتعود فلولها إلى البيوت من جديد.
يقولون أن المصادمات بين أنصار نجاد وأنصار موسوي، وأقول أنها بين أنصار أيران وأنصار نجاد وموسوي ورضلئي وكروبي وخامئني وبقية آياته.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
النيابة تعني في ديموقراطيات العالم كافة اختيار الناس لممثليهم في البرلمان. في لبنان الأمر مختلف. النيابة في لبنان تعني اختيار الناس لمن يختاره أحد السبعة: سعد الحريري و أمين الجميل وسمير جعجع و وليد جنبلاط وحسن نصرالله ونبيه بري وميشال عون.
ذهب السبعة أو ممثلوهم إلى الدوحة قبل أشهر – فارغو الجيوب - ليتفقوا على الطريقة المناسبة التي تضمن دخول مرشحيهم للبرلمان. وعادوا وقد ملأوا جيوبهم بمفردات قانون عمره خمسن عاماً تقريباً. قانون يفرق اللبنانيين ولا يجمعهم. لا يهم من يفوز بالمقاعد النيابية الأكثر أو الأقل. المهم أن يضمن السبعة حضورهم في الصورة اللبنانية لأربع سنوات قادمة!.
الظروف السياسية التي أعقبت مقتل رفيق الحريري ونظام المحاصصة ذو الثمانية عشر رأساً والتدخلات الإقليمية صنعت في لبنان حزبين كبيرين متنافسين على مقاعد البرلمان. حزبان لا يشبهان الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي في أميركا. ولا يشبهان حزب المحافظين وحزب العمال في بريطانيا. لا يشبهانهما من حيث وحدة الهدف ووحدة الجسد. هما حزبان مكونان من تكتلات رجراجة وواقعان تحت ضغط حسابات وقتية تتغير بتغير مصالح الزعماء السبعة. يصبح تكتل رجراج (ما) في منطقة زرقاء، ثم يتدحرج في المساء إلى منطقة برتقالية. ويتدحرج تكتل آخر في المساء من أعلى الجبل ليستقر عند ساحل البحر، ثم يأتيه في الصباح من يحمله على شاحنات حمراء إلى السهوب الفسيحة!.
14 آذار و 8 آذار ليس لديهما القدرة على اختيار زعيمين لهما. لا الحريري يستطيع أن يسمي نفسه زعيماً لمنتصف الشهر ولا ميشال عون قادر أن يرشح نفسه لزعامة فريق 8 آذار. تخيلوا أن يكون ميشال عون زعيماً على حسن نصرالله. وحاولوا أن تتخيلوا - وإن لم تستطيعوا - ميشال عون نائباً للرئيس في حزب نصرالله. تخيلوا وأطلقوا حمائم عقولكم لتلتقط ما شاءت لها السخرية أن تلتقط!.
قبل أيام قرأت جملة جميلة تصف الانتخابات اللبنانية قبل إعلان النتيجة: إعادة انتخاب الأزمة من جديد. واليوم بعد إعلان النتيجة (أكتب المقالة يوم الاثنين) أكتب: الأزمة تفوز في لبنان من جديد. فاز نواب 14 آذار بالأغلبية النيابية وعادت المعارضة إلى مقاعدها السابقة. وعاد لبنان من جديد إلى التعطيل والتعتير والحظ السيئ. ولو فاز المعارضون السابقون بالأغلبية لما تغير حال لبنان. هو أيضاً واقع في حفرة التعطيل والتعتير والحظ السيئ!.
الحكومة ستتشكل خلال الفترة القريبة القادمة. حكومة وحدة وطنية على الأرجح. سيدخلها بالطبع مروان حمادة وأحمد فتفت و غازي العريضي. وهذا الأخير بالذات سيحرص على أن يتولى وزارة جديدة لم يتولاها من قبل، من باب: إن لم تفز برئاسة الوزراء، فحاول الفوز بصفحة في كتاب جينيس من حيث عدد الوزارات التي توليت حقائبها!!.
المعارضة ستدخل الحكومة بعد أن تقبل مرغمة بالهزيمة. وستبدأ من جديد نغمة الثلث المعطل. ونغمة التخوين. ونغمة الانتماء لسياسات أطراف إقليمية ودولية. وسيكون مجلس الوزراء مجرد بناء صوري يُدار بأجهزة تحكم عن بعد.
لبنان لم ينفض الرماد عن أجنحته بعد. ولن ينفضها ما دام أسيراً لزعماء يجدون في دوام الخلاف تلميعاً لهم. لبنان لم ينتخب نفسه في السابع من يونيو. لبنان (زكى) مجموعة من الرؤوس التي وجدت في (حالة اللاجدوى) اللبنانية بيئة مناسبة لها لإعمال الفكر والتفكير!.
الناس في لبنان لم يختاروا ممثليهم الذين يتحدثون نيابة عنهم في مسائل الخبز والماء والتعليم والصحة وحتى الاهتمام بمنتخب كرة السلة. الناس اللبنانيون اختاروا مرشحيهم بسبب حسابات سياسية لا علاقة لهم بها من قريب أو من بعيد. حسابات سياسية خاصة جداً بالزعماء السبعة. لكن لأن لا صوت للنائب المستقل في لبنان، فقد علت أصوات (الأعدقاء) السبعة إلى الدرجة التي جعلت من الوجوه اللبنانية كافة ذات ظلال يتوزع على سبعة أشكال.
الأربع سنوات القادمة ستكون ملعباً لخلافات زعماء المصالح. لن يتغير شيء. الوجوه هي الوجوه. المواقف هي المواقف. والتعطيل هو التعطيل. لنفكر في ما بعد الأربع سنوات. لنفكر في ما يخلص اللبنانيين من اللبنانيين. لنفكر بصوت عال، وندع للمواطن اللبناني البسيط مهمة انتشال أجنحته من تحت الرماد:
• الإسراع في تشكيل مجلس شيوخ ذي شبكة انتخابية تضمن تمثيلاً عادلاً للطوائف الثماني عشر.
• اختيار رئيس مجلس الشيوخ عن طريق الانتخاب الداخلي.
• تحديد مهام مجلس الشيوخ بحيث يكون ظهراً لمجلس النواب.
• النأي بمجلس النواب عن المحاصصة الطائفية، وتركه مفتوحاً للتجاذبات المبنية على: من سيفيد الناخب أكثر؟.
• اعتماد مبدأ الأغلبية في تمرير تشريعات وقوانين البرلمان.
• لا ثلث معطل ولا ثلث ضامن في الحكومة. الضامن هو الله سبحانه تعالى ثم (النصف زائد واحد).
• العمل على إبراز المترشحين المستقلين. لبنان يحتاج في العشرين سنة القادمة إلى سيطرة المستقلين على مجلس النواب لإخراجه من النفق المظلم الذي وضعه فيه نواب الزعماء السبعة.
قد يسأل قارئ: كيف يمكن تعزيز وجود المستقلين في ظل هذا الضخ المالي الكبير والتجذر التاريخي للزعماء السبعة؟ وأقول ساخراً: لو اتفقت الرموز اللبنانية الفنية والرياضية على الترشح للبرلمان لتغيرت اللعبة. هؤلاء المستقلون الرياضيون والفنانون على غرار نانسي عجرم وراغب علامة، سيكون لهم ثقل كبير في صناديق الاقتراع لشهرتهم وتعلق الناس بهم. سيكون عليهم أولاً تنظيف البرلمان من نواب الحسابات الخاصة، ومن ثم فتح الطريق أمام مستقلي المرحلة التالية الذين يفكرون بالماء والخبز ومنتخب كرة السلة.
برلمان الفنانين!! أمر مضحك، لكنه سيكون جميلاً في لبنان!.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
هي ليست لغتي، وليست لهجتي. هي نتاج فقط لما يريد الآخرون أن يقرأوه. أنا لست أنا، وإنما المقابل الآخر لي.
الردح الكتابي والرقص (البلدي) على مسرح الحروف، يعتبران بكافة المقاييس – في حال إذا ما كانا بادئين - تخلف مريع. وتجهيل فظيع. وتضليل يرتبط دائماً بأمانٍ مريضة لا يرجى برؤها ولا أمل من شفائها. ولا مواجهة معهما، تصلح، سوى القمع!. الضرب على الرأس هو خير وسيلة للتعامل مع من لا يرى فيك سوى عيوبك. أو بشكل أدق وأقرب للحقيقة: من لا يريد أن يرى فيك أي ملمح للجمال. يبحث فقط عن سوءاتك. وإن خانته عينه مرة ورمته على مساحة جمال فيك، لوّنها بألوان منظاره الأسود، وأضافها لقبحك!. الضرب على الرأس يتأرجح ما بين التجاهل التام المصحوب بنظرة احتقار، والردح البلدي (المضاد)المبني على حقائق تاريخية!!. خاطب القوم بلغتهم لعلهم يفوزون بنصيب من الفهم.
على جزء ما من خريطة العالم، يعيش رجل اسمه أسعد أبو خليل. هذا الأسعد الأبو خليل امتهن منذ عدة سنوات الكتابة عن ثلاثة أشياء فقط: النفط والسعودية وجلد الذات على الطريقة اللبنانية اليسارية!!. أسعد يظهر كثيراً كثيراً على قناة الجزيرة، ولا أبالغ إن قلت أن لا أسعد آخر غير أسعد يظهر على شاشة القناة من أميركا!. وفي كل مرة يظهر فيها، يجنح بالقول حتى يصل بالحديث إلى حدود السعودية حتى ولو كان موضوع النقاش يدور عن ثوار الساندينستا في أميركا الوسطى!. يحاول دائماً أن يربط مشاكل العالم بالسعودية. يختلق المداخل والمخارج التي تمكنه من اتهام السعودية بالذي صار والذي لم يصير. يضعها دائماً في قلب القلاقل اللبنانية، لدرجة أنني صرت أتوقع منه أن يظهر في إحدى المرات عبر موقعه الإلكتروني أو عبر قناة الجزيرة ليقول لمتابعي ردحه أن السعودية (الوهابية) هي السبب في ضياع هويته بين أمة السنية وأبيه الشيعي.
قبل أسابيع تناقلت المواقع الإلكترونية وبعض الصحف العربية مقالة لهذا الأسعد الأبو خليل عنوانها: ماذا لو ينضب النفط؟! وسأتناول هنا في هذه المقالة مقاطع من مقالته مع رد (ردحي) يتناسب مع طريقته المجانية في كتابة المقالات. أو لأقل، يتناسب مع طريقته الممجوجة التي لا تستهوي سوى ممجوجي الفكر!.
يقول الإسعد” “لو نضب النفط العربي لتغيّر الكثير الكثير في عالمنا العربي. لو نضب النفط، لما تقاطرت جموع الرجال زرافاتٍ زرافات إلى مهرجان الجنادريّة الفاقع الذكوريّة. لو نضب النفط، لما كان الداعية القومي العربي، معن بشّور، ليتجشّم عناء السفر كي يساهم في تعظيم حكمٍ امتهن محاربة القوميّة وتعزيز القطريّة والعشائريّة والقبليّة والشلليّة. لو نضب النفط، لتحوّلت هيئة كبار العلماء في المملكة إلى أضحوكة تلفزيونيّة ومدعاة للتشنيع وهدفاً لأدعياء التنوير الحقيقي ـــــ لا التنويريّين الزائفين القابعين في حاشية هذا الأمير وذاك. لو نضب النفط العربي لتكرّست خطب الجوامع الشيعيّة والسنيّة على حدّ سواء للتنديد بعقيدة التزمّت والتعصّب والانغلاق وعداء المرأة الآتية من السعودية بمال وفير. لو نضب النفط، لما استطاع المتطرّفون الظلاميّون ان ينطقوا باسم الإسلام أبداً وأن يقمعوا الحلم والتسامح والإخاء البشري (الصحيح). لو نضب، لعاد إلى مكّة والمدينة رونقهما وبريقهما التاريخي ولعاد إليهما الجدل والنقاش والمناظرة. لعاد الشعر والنثر بكل أنواعهما إلى مواسم الحج كما كان الأمر قبل إطلالة محمد بن عبد الوهاب. لو نضب النفط، لنطق رجال الدين بالحق ولدانوا عقائد التعصّب المدعومة بمال النفط. لو نضب النفط العربي، لما تحدّثنا إطلاقاً عن الحقبة السعوديّة ـــــ الأولى أو الثانية”
وأقول: بارك الله في هذا النفط، الذي عرفت به عدوي من صديقي. قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام عندما حمل أجدادنا مشاعل النور والحرية من مكة والمدينة إلى مدينة صور (مسقط رأس الأسعد) وما جاورها، لم يكن يطمع أجدادنا في أكثر من أن يمن الله علينا بتحرير أجداد الأسعد من عبادة البيزنطيين والأوثان. قطع أجدادنا آلاف الكيلومترات مشياً وعلى ظهور خيولهم وجمالهم من أجل فقط أن ينتشلوا جد أسعد أبو خليل ( ربما كان اسمه خليل) من ظلامياته وقذارته وجهله ويضعوه في قلب النور الإسلامي. ذهب أجدادنا من صحاري الجزيرة إلي مرابع الشام وغاباتها المثمرة، وعادوا بعد أن أنهوا مهمتهم وهم يدعون لأخوانهم الذين دخلوا تواً في الإسلام بتمام النعمة وبقائها. واليوم يتمنى الحفيد الصغير أسعد أن يُذهب الله نعمته التي منّ بها علينا!! ما أشقاك أيها العقل، ما أشقاك!.
النفط صار قضية أخواننا العرب منذ سنين طويلة. فمنذ اكتشافه في الجزيرة العربية قبل ثمانين عاماً وهو شغلهم الشاغل. يتساءلون: كيف لهؤلاء الذين لم (يمن الله عليهم بنعمة الاستعمار) أن يرفلوا بنعمة النفط ونحن محرومون منه!!
أجداد أسعد القريبون جاءهم الاستعمار وهم يتخبطون في جاهلية تشبه جاهليتهم الأولى فأخرجهم منها. بنى لهم الجامعات وشق الأقنية وشيد المستشفيات وربطهم بأوروبا المتنورة، وعندما بدأوا في تنفس الهواء الطبيعي بعد فترة طويلة من الغرق في الهواء الملوث باغتهم العسكر ( أو أصدقاء العسكر) من أبنا جلدتهم (وربما يكون جد أسعد، خليل الصغير أحدهم) وسحقوا شعوبهم تحت أحذيتهم. أعادوهم من جديد إلى الجاهلية التي لا تموت. تمرض فقط، لكنها لا تموت.
بدلاً من دعاؤك يا أسعد المبلل بدمعك بذهاب نعمة النفط، ادع لأهلك وبنو وطنك بنعمة تنتشلهم من الحد الصفري الذي يجلسون عليه منذ خروج فرنسا.
وفي مقطع آخر يقول الأسعد: “لو نضب النفط باكراً، لكانت المشيخات والإمارات والسلطنات والممالك المرسومة بقلم المُستعمِر جمهوريّات. لو نضب النفط، لما تلوّثت الثورة الفلسطينيّة بكل تنظيماتها بمال النفط، ولما استطاع ياسر عرفات وأبو السعيد أن يفرضا منطق أنظمة الخليج العربي الرجعي على الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة “.
وأقول: ما أشقاك أيها العقل!… ما أشقاك! يقول الأسعد إن بلداننا مرسومة بقلم المستعمر!! هل تريدني أن أردح يا أسعد؟! لولا وجود المسيحيين شرق جبل لبنان لما كان هناك بلد اسمه لبنان. لو لم تنتصر فرنسا في الحرب العالمية الأولى لما كان لـ (اللبننة) وجود. لو أخذ الله عُمر جورج بيكو و مارك سايكس مبكراً لربما ظهرت الخريطة العربية التي نراها الآن شمال السعودية بشكل مختلف ومغاير!!.
أما مسألة الجمهوريات والملكيات، فأحيلك فقط إلى قراءة تاريخية في عراق، مصر العشرينات والثلاثينات والأربعينات ومقارنتها بجمهورياتك القومية في الستينات والسبعينات. كما أحيلك أيضاً إلى دراسة الأنظمة المسخ الموجودة الآن والتي تداخلت فيها الملكية بالجمهورية فأضحت كيانات (ملكهورية) هشة!
وبخصوص الدعم الذي تقدمه دول الخليج لعرابي المقاومة الفلسطينية، فكلامك صحيح مائة بالمائة. هو بمثابة الهباء المنثور، لأنه إن سلم من السرقة لم يسلم من إنكار الجميل. صدقت في هذه، فقد تعودناها منك ومن مَن يشبهك!.
ويقول في مقالته الطويلة:”لو نضب النفط العربي اليوم أو غداً، فسيتغيّر الكثير في عالمنا العربي ويظهر النفاق على حقيقته. لو نضب النفط، لتوقّف شاكر النابلسي عن مديح شعر خالد الفيصل ولتوقّف جهاد فاضل عن مديح شعر عبد العزيز الخوجة ولتوقّف سمير عطا الله عن مديح الأمير مُقرن بن عبد العزيز ولتوقّف جهاد الخازن عن تقريظ كل أمير عربي يمرّ في لندن أو نيويورك. لو نضب النفط، لما غنّت أم كلثوم لعبد الله الفيصل، ولما غنى آخرون شعر مانع سعيد العتيبة.لو نضب النفط، لاختفى التملّق الذي يهطل من أقلام الصحافة اللبنانيّة. لو نضب النفط، فهل كان إبراهيم العريس يقول إن مبادرة عبد الله بن عبد العزيز أعظم مبادرة في «تاريخ البشريّة»؟ لو نضب النفط لهتف الجمع الصحافي العربي بضرورة إسقاط أنظمة من مخلّفات استعمار الغرب وبعلائم من القرون الوسطى. لو نضب النفط، لوقع حازم صاغية في حيرة من أمره، وهو الذي نظّر أخيراً لنسق وهّابي من الديموقراطيّة . لو نضب النفط، للاحظ ليبراليّو الوهابيّة وكَتَبة التملّق أن رجم العشاق وقطع الرؤوس لا يتفقان مع الحريّات الفرديّة وحقوق الإنسان”.
وأقول: “ تقول مخلفات الاستعمار؟!! ما أشقاك أيها العقل.. ما أشقاك؟! نحن الذين كوّنا هذه الدولة الإسلامية الممتدة من الصين شرقاً إلى حدود المغرب الغربية غرباً. صرنا مخلفات استعمار!! نحن الذين تعاقبت علي أرضنا ممالكنا وإماراتنا بدءاً من الخلافة الرشيدة الأولى المباركة وحتى الدولة السعودية الثالثة. قل لنا يا أيها الأسعد ذو العقل الشقي، هل صدّر لنا الفرنسيون البنطلون والقميص بدلاً من الشروال والحزام؟ هل ورثونا الميني جيب؟!! هل أعطونا قشرياتهم ومنعوا عنا لبهم؟!!.
هذا أمر، الأمر الثاني، لماذا تظن ظن السوء في أبناء جلدتك بهذا الشكل، هل هذه ثقافة مشتركة عندكم؟ من يدفع لي أكتب عنه، ومن لا يدفع أشتمه؟! ظنك حقيقتك يا أسعد! (قصديتك) في التفكير انعكاس لذاتك، فانظر من أنت!.
تقول في مكان آخر من المقالة: “يحق لنا أن نحلم وأن نتصوّر عالماً عربيّاً آخر (يقصد بدون نفط). هل مَن سيندم على تحول مجلس الشورى السعودي المُعيّن من الملك إلى مجلس مُنتخب يعبّر عن تطلعات الرجال والنساء في السعودية التي قد يتغيّر اسمها العائلي؟ هل مَن سيشتاق إلى طلة أعضاء هيئة «كبار العلماء» وفتاواهم المُخيفة والمعادية للعلم والمنطق؟ على العكس، سنجد أن العربي (والعربيّة) سيجدان سعادة ما بعدها سعادة في ما يخرج من باطن الأرض من ماء ومن خضر وفواكه. الماء، الماء قد يعمّ بدل النفط، وما الضرر من تعظيم مصدر «كل شيء حي»؟ النفط العربي: لو ينضب، لخرجنا من المنازل والأكواخ مرحّبين مُهلِّلين مُصفّقين (ومصفّقات). لو ينضب. آه، لو أنه ينضب! العلقم أفضل لنا منه.
وأقول: يعتبر الأسعد الأبو خليل أن حمل السعودية لاسماً عائلياً فيه منقصة لها ولشعبها، وهو – للمفارقة - يعيش في دولة تمت تسميتها علي الاسم الأول (وليس العائلي أيضاً) لأول من اكتشفها. أميركا التي يأكل من خيرها الأسعد صباحاً ويتغنى بديموقراطياتها ظهراً ويشتم أهلها مساءً سماها الجغرافي الألماني مارتن فالدسميلر على اسم المستكشف العظيم أمريكو فيسبوتشي. يعتقد الأسعد أن تسمية مملكتنا بالسعودية فيه انتقاص منا كشعب، لكنه لا يستحي أن يلغي تاريخنا الحضاري الممتد منذ آلاف السنين على أرض الجزيرة العربية بحجة أننا سعوديين!!. بمعنى أنه يقول لا تستخدموا اسم (سعودي) في جنسياتكم، لكنه يقرر في المقابل أنه لا يحق لنا الافتخار بالعباقرة العرب الأوائل الذين عاشوا على أرضنا بحجة أنهم ليسوا سعوديين مثلنا!!. يظن الأسعد أنه لا بأس أن يفتخر المصري بالفراعنة واللبناني بالفينيقين (لم تكن الدولة اللبنانية قد ظهرت، إذ لم تنتصر فرنسا في الحرب العالمية الأولى حتى الآن) لكن لا يحق للسعودي أن يفتخر بأجداده الصحابة الأُول!! لماذا؟ لأنه سعودي!! وهم لم يحملوا الجنسية السعودية. وكأن الفينيقي مثلاً كان مسجلاً في إدارة الأحوال المدنية بالكسليك!!.
الدول التي تحمل أسماءً عائلية كثيرة على الخارطة العالمية، وأظن أن ذلك مبعث فخر لا مبعث انتقاص. السعودي يا أسعد يفتخر بسعوديته ويفتخر أيضاً بكل اسم حمله قبل قيام الدولة السعودية الأولى المباركة. كما يفتخر بتاريخه العريق الممتد منذ آلاف السنين.
النفط يا أسعد نعمة عظيمة، ليس بسبب استخدامها في تطوير بلداننا فحسب، بل لأنها جعلتك تعيش على وهم: ذهاب نعمة جاري أفضل من أن أرزق بنعمة، وفي هذا لعمري – وموتك – موت للجزء البشري فيك.
ملاحظة أخيرة: عندما يتحدث هذا الأسعد ومن هم على شاكلته عن الأنظمة العربية المعتدلة التي تسير ضد توجهاتهم الكارثية، فإنهم في العادة يشتمون الأنظمة ويستثنون الشعوب، إلا عند حديثهم عن السعودية ودول الخليج، فهم يشتمون الأنظمة والشعوب على حد سواء. لا حظوهم عندما يتحدثون عن مصر، تجدهم يمجدون في الشعب المصري ويصفونه بالعظيم ويميلون كل الميل على نظامها، أما إذا أتي الحديث عن السعودية، فالشتم يطال السعودية كلها، حكومة وشعباً… لا حظوهم فقط.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
كعادة الكويتيين، أنهوا انتخابات مجلس الأمة بكل سلاسة وشفافية ونزاهة. اختار الناس ممثليهم ( أو لأقل اختارت الجماعات مرشحيها)، وأثبتوا من جديد للعرب الذين يفترشون الجزء المحصور بين الخليج العربي والمحيط الهادئ على خارطة العالم أن الانتخابات العربية يمكن أن تولد بدون استخدام (الطلق) الصناعي المتمثل في الرشاوي والتهديدات والتزوير والكذب على الناس.
الكويت اليوم تحتفل بعرسها النيابي ذو النسخة المتفردة التي لا يوجد لها شبيه في الوطن العربي. صحيح أن هناك دولاً عربية تعتمد التكنيك الانتخابي الكويتي نفسه، لكن ما يميز الكويت عنها أن الأخيرة لا ترسل مندوبين رسميين للنجوع والأقاليم والنواحي ليراقبوا نوايا الناس ويسجلوا في دفاتر (سرية) من يختار نواب الحزب الحاكم ومن لا يختارهم!. (بعض الدول لا تسجل في الدفاتر ولا هم يحزنون، بل تستخدم نظرية الإغراق الوهمي (الإيجابي)، بحيث تجعل بسطاء الناس يظنون أن من يختار نواب الحزب الحاكم سيفوز بأعطيات مستقبلية لا احد يعرف موعدها بالضبط).
الكويت اليوم اختارت 50 نائباً ونائبة، سيكون لهم دور كبير في دفع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى الأمام. سيعملون على (تشريع) القوانين التي تتناسب مع الطبيعة الكويتية، وسيسعون إلى إعادة (تشريح) القوانين القائمة التي تجاوزها الزمن. سيكون لهم دور بارز في تمرير مشاريع السلطة التنفيذية، تلك المشاريع الإنمائية المعطلة التي تحتاجها الكويت منذ العام 1990. ولن يقفوا في وجه الصالح العام مهما كان على تضاد مع مصالحهم الشخصية أو مصالح آخرين في كتلهم النيابية. سيفكرون في كيفية إعادة الكويت إلى منارة للحريات، الحريات على اختلاف مداخلها ومخارجها، الحريات الفردية والحريات الصحافية وحريات الفكر والإبداع وحريات التعبير وحتى حريات المنفيين عن أوطانهم بسبب مطالبتهم بالحرية هناك!.
سيعمل النواب ليل نهار على استصدار القوانين التي تضمن وضع اقتصاد الكويت ضمن منظومة الاقتصاديات العالمية الكبرى، بحيث يتناسب وضع الدولة المالي مع وجود الخيرات الربانية التي تنام تحت أرضها.
النواب الخمسون سيكونون يد الشعب (العليا) التي تحاسب من يستغل مكانه الحكومي لخدمة مصالحه الخاصة. سيراقبون الحالة النقدية للأشخاص المخولين بالتعامل مع المال العام وسيخضعون الهيئات والوزارات الحكومية للمراقبة التي تهدف إلى تحسين أعمالها لا شلها.
النواب الخمسون قادرون على فعل ذلك في دولة تتميز بالعديد من المزايا التي تسمح لهم بممارسة أعمالهم بشكل سلس وشفاف، لكن هل فعلاً سيعمل النواب بهذه الآلية (الافتراضية) التي احتلت جزءاً كبيراً من مقدمة هذه المقالة؟!. هل سيكونون عوناً للشعب لا فرعوناً عليه؟!!. هل سيسرعون من وتيرة التطور الذي أصبح في الكويت لاحقاً بعد أن كان سابقاً قياساً بدول المنطقة؟!!.
الجملة الوحيدة التي تصلح لهذه الأسئلة الثلاثة يمكن اختصارها في ثلاث كلمات: أشك في ذلك!!.
النواب الخمسون الجدد (برغم سلامة اختيارهم ونزاهته) سيتفرغون لثلاثة أمور رئيسية هي: هل تدخل نانسي عجرم الكويت أو يمنع دخولها إذا ما تم دعوتها لإحياء حفلات غنائية و هل هو من المناسب إسقاط الديون عن المواطنين أم فقط السعي إلى تخفيضها، أما الأمر الثالث الذي سيتقاتل على الفوز به عدد كبير من النواب الجدد فهو: الاستجواب!!.
نواب المجالس السابقة الذين تم انتخاب عدد كبير منهم في هذا المجلس أيضاً، يظنون أن الديموقراطية تتمثل في مسألة واحدة: الاستجواب!! يظنون أن الديموقراطية تنحصر في مفهوم واحد يقوم على المحاسبة فقط!! يظنون أن القدرة على تركيع السلطة التنفيذية هي أوج الديموقراطية وغاية مبلغها.
الكويت الجديدة غير كويت الستينات والسبعينات. الكويت الجديدة تحتاج إلى تدريب الناس على التعاطي مع ثقافة الديموقراطية قبل السماح لهم بممارستها فعلياً. النائب رقم 25 والنائب رقم 39 والنائب رقم 4 جاءوا للبرلمان بسبب الطائفة والقبيلة والتمذهب على التوالي. لم يكن للناس أي دور في اختيارهم، وأقصد بالناس الجماعة التي تتكون من أفراد مستقلين ذوي وجود مرتبط بفردانيتهم وليس الناس المنصهرين في صوت قبيلة أو طائفة أو منطقة أو حتى أولئك المنصهرين في جماعة ترفض الطائفة والتمذهب والقبيلة!!. دخول الانتخابات باستخدام سلاح القبيلة أو سلاح ضد – القبيلة يمثل كارثة انتخابية. دخول الانتخابات باستخدام سلاح المذهب او سلاح ضد – المذهب كارثة انتخابية. ودخول الانتخابات باستخدام سلاح الطائفة أو سلاح ضد – الطائفة يمثل أيضاً كارثة انتخابية.
أولئك الذين يرفضون دخول القبيلة في الانتخابات الكويتية عليهم تقديم بديل لها وليس نفيها. والذين يرفضون التكتلات الطائفية المفضية إلى مقاعد انتخابية عليهم أن يجعلوا ناس هذه الطوائف قادرين على الدخول إلى مقاعد البرلمان من غير الاعتماد على الطائفة.
بعض القبليين يرفض الاعتماد على قبيلته للدخول إلى البرلمان، لكنه يعرف أن لا أحد سينتخبه بسبب انتشار حالة (الضد – قبلية) في المجتمع المقابل لمجتمعه فيما لو قرر خوض السباق الانتخابي بعيداً عن حمى قبيلته. سعد بن طفله العجمي الوزير السابق والكاتب المعروف دخل البرلمان أول مرة اعتماداً على قبيلته، وعندما حاول في المرة الثانية دخول البرلمان اعتماداً على ليبراليته متخلياً عن رداء القبيلة فشلت مساعيه وتجاوزته أسماء صغيرة لا يمكن مقارنتها أبداً بهامته الطويلة، بسبب أنه اختار منطقة انتخابية ليست على استعداد لأن تعيد فرزه من جديد. ما يهمها في المقام الأول اسمه الثلاثي المنتهي باسم قبيلتة!!.
على الكويتيين أن يجدوا حلاً لمسألة التشكيلات الانتخابية بحيث تذوب القبيلة والطائفة والمذهب في الفردانية الكويتية من غير ان ينقص ذلك من حق أفرادها شيئاً. في ذلك الحين سيفهم النائب معنى آخر للديموقراطية غير الاستجواب وملاحقة رحلات نانسي عجرم، لأنه سيكون قد تعلم وهو ناخب صغير أن الديموقراطية مبدأ فرداني قبل أن يكون حاجة دينية أو قبلية أو طائفية.
ديموقراطية الدول العربية ، مكونة من نصفين علوي وسفلي . العلوي غير موجود في الكويت وبقية الدول العربية الأخرى بسبب الحدود التي نعرفها جميعاً. والسفلي موجود بشكل مشوه في اغلب الدول العربية، لكنه في الكويت جميل ونظيف ويحتاج فقط للمسات صغيرة ليكتمل، فهل يدرك الكويتيون ذلك؟!.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
١
كنت في الرياض الأسبوع الماضي، في زيارة عمل سريعة. لم أستطع أن أزور الأماكن الأثيرة لدي بسبب ضيق الوقت. لكنني كنت حريصاً جداً أن أختتم زيارتي بلقاء بعض أصدقائي في مطعم يشتهر بتقديم الأكلات السعودية. اتصلت بصديقي الذي أسميه “المنسق” وأخبرته أنني في الرياض وأريد أن أرى “الشلة” في المطعم. وما هي إلا دقائق قليلة حتى بدأ هاتفي في استقبال مكالمات الأصدقاء الذين يسلّمون ويؤكدون الحضور. سبقت الأصدقاء إلى المطعم، وهناك فاجأتني ممجموعة من الأسئلة المتلاحقة والسريعة: لماذا يحرص ملاك المطاعم التي تقدم الوجبات السعودية علي إظهار مطاعمهم بشكل تراثي؟!. لماذا يرتبط المرقوق والكبسة والتمن والدغابيس وكبيبة حائل والسليق والحنيذ والقرصان والجريش وغيرها، لماذا ترتبط كل هذه الأكلات في المخيلة الشعبية بالقدم والتراث؟ ألا نأكل هذه الأكلات كل يوم؟ أليست من الأطباق الدائمة في موائدنا؟! لماذا لا نرى وجوداً لهذه الأكلات في مطاعم الفنادق السعودية ذات النجوم الخمسة؟! لماذا نحاصرها دائماً في مرحلة زمنية انتهت؟! هل من المممكن أن نرى مطعماً على غرار ماكدونالدز يقدم وجبات سعودية خالصة؟! لماذا نتعامل مع حاضرنا (الطعامي) على أنه جزء من التراث الذي لا يمكن أن يتطور معنا؟!
بعد هذه الأسئلة التي (دوخت) رأسي، فيما بطني ينتظر (دوخته) الخاصة، جاءتني إجابة الأسئلة على طبق من (مقلقل): نحن أمة مغلوبة طعامياً!! وهذا مؤشر كبير على أننا يجب أن نتحرر من أنفسنا أولاً إذا ما رغبنا في التحرر من الآخر. والآخر هنا يمكن أن يكون “مسلسلاً مصرياً” ويمكن أن يكون “كتاباً أميركياً” يدعو إلى صناعة الشرق الأوسط الكبير!!.
٢
يسألني أحد أصدقائي: لماذا نضطر إلى تغيير لباسنا من الشماغ والثوب إلى الشكل العالمي الموحد (القميص والبنطلون) إذا ما سافرنا إلى الخارج؟ لماذا لا نحتفظ بالثوب والشماغ في شوارع لندن ونيويورك أو نلبس القميص والبنطلون في شوارع الرياض؟ يقول صديقي: لماذا علينا أن نعيش هذه الازدواجية (الملبسية) في حياتنا، بينما الآخر لا يشعر بأي انفصام (ملابسي) في حياته سواء أكان في الرياض أو في بلده؟!!. كان صديقي ينتظر مني إجابة على غرار إجابة المطعم أعلاه خصوصاً أنه كان أحد المشاركين معي قبل أسبوع في ذبح (المقلقل والحميس والكبسة) اللواتي وردن في الفقرة أعلاه. قلت لصديقي أن الثوب والشماغ وملحقاتهما يجب أن يختفيان من حياتنا للأبد، لأنهما دليل إدانة دائم لنا في وجه كل التهم التي توجه لنا بين الحين والاخر من دول الشرق والغرب. تخيل أن تظهر فتاة كورية حسناء علي شاشة تلفزيون بلادها وتذكر خبراً عن تورط إرهابيين من الشرق الأوسط في عملية تفجير في نيكاراجوا ثم تنتقل الكاميرا من وجه المذيعة الكورية لتعرض تقريراً مصوراً في أحد شوارعنا يعرض كائنات تلف أجسادها بقماش أبيض وتعتمر قماش أحمر. هذا اللباس الغريب يقول للآخر بشكل صارخ: أنا لست مثلك!!. أنا أختلف عنك في فهمي لمحددات وملامح الإنسانية!. هذا اللباس يقول للآخر: أنا متهم حتي تثبت براءتي!.
أنا يا صديقي مع صدور أمر من مستوى عالٍ ُيدخل الشماغ والثوب إلى (منطقة التراث) ويجعل القميص والبنطلوب لباساً معتمداً في الدولة. زنا متأكد يا صديق أن الكثير من مشاكلنا مع العالم ستنحل بمجرد أن نلتحق بالعالميين!.
٣
يتساءل أحد أصدقائي عن حياة مجتمعات الدول النفطية في مرحلة ما بعد النفط. يتساءل أمامنا لكنه يحمل في نفسه يقيناً يؤكد أن مرحلة ما بعد النفط ستكون مثل مرحلة ما قبل النفط التي عاشها الأجداد. يقول صديقي إن دخل الدول النفطية العربية يعتمد بشكل كبير على صادراتها النفطية، ويضيف بأنها لمتستطع خلال العقود الماضية من أن تنوع سلة صادراتنا بحيث يحميها ذلك في المرحلة التي تتلو نضوب النفط. قلت لصديقي إن (الفكر العربي) حاله كحال (الفكر الأفريقي) غير قادر على مجاراة (الفكر الغربي) في هذه المرحلة الزمنية من عمر العالم. علينا أن نعترف بذلك إذا ما أردنا التأسيس للمراحل القادمة. أنظر لحال الدول الأفريقية في مجموعها مقارنة بحال دولة جنوب أفريقيا. الغربي الذي عاش في جنوب أفريقيا جعل منها دولة ذات اقتصاد ضخم يصنف على أنه من اقتصاديات العالم القوية. بينما الأفارقة في دولهم (التي تعتبر أغنى بمعايير الطبيعة) يعانون من الفقر والجوع.
في السعودية يا صديقي أظن أن الحال يختلف. أظن أننا لن تحتاج للغربي بعد نضوب النفط. فدخل السياحة سيكون بديلاً لدخل البترول، بل سيكون أكبر منه بكثير. السياحة الدينية والسياحة التاريخية ستجعلنا نتجاوز مرحلة نضوب النفط ونحن أقوياء. علينا فقط أن نستعين بالفكر الغربي في هذه المسألة والتجارب التي سبقتنا.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
على غير عادة جولتي الإلكترونية الصباحية، قررت أن أدخل موقع العربية لأرى ما هو الجديد في الموقع العربي المشهور بالشتائم والكلام البذئ وفاحش القول. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت أن الكثير من تعليقات القراء قد حجبت بدعوى عدم توافقها مع سياسة النشر في الموقع. سحت في الموقع فلم أقرأ ما كانت تستحي عيني من قراءته من قبل. قرأت لأناس يوزعون الحلوى والزهور على من يتفقون معهم، ويتحاورون بطريقة عقلانية حضارية مع من يختلفون معهم.
تم التعامل في الموقع مع تعليقات القراء التي تتجاوز الأدب وتتنافى مع الأخلاق بطريقة قمعية وهي التي كانت تتنفس الهواء الملوث من قبل وتعشعش في كل مواضيع الموقع المتابع عربياً بشكل كبير جداً.
هذا التغيير المفاجئ كان صادماً لي في الحقيقة، لكن عندما عرفت أن السبب في ذلك هو تغيير الإدارة القديمة واستبدالها بإدارة جديدة، بطل عجبي وزال استغرابي.
قبل عشرات السنين، كانت الصحف اليومية (تقريباً) هي وسيلة نقل الأخبار للناس. لم يكن التلفزيون قيمة تذكر في وصول الخبر إلى الناس بسبب محدودية انتشاره. مجتمعات القرن الماضي اعتمدت اعتماداً كلياً تقريباً في تلقيها لما يدور خارج محيطاتها على النشرات الورقية اليومية التي كانت تحتاج لإذاعة الخبر إلى ١٢ ساعة في الحدود الدنيا و٢٤ ساعة كحد أقصى. كانت الصحف هي متسيدة الواقع الإعلامي لفترات طويلة. ولم يكن ينازعها في هذا الأمر وسيلة إعلامية أخرى. وكانت الإذاعة التلفزيون يحتلان أحيانا مواقع متقدمة ضمن أولويات الناس في استسقاء الأخبار، لكن الصحف كانت في الأحوال العادية هي المتسيدة بلا منازع.
لكن مع الثورة الفضائية الأخيرة المتمثلة في امتلاء الفضاء بعشرات القنوات المتخصصة وظهور الشبح الرقمي العظيم المسمى بالإنترنت جعلا الصحف تتراجع كثيراً وتتنازل عن عرشها فاسحة المجال (لمزودي الأخبار على مدار الساعة) بالتقدم واحتلال مكانها الذي ظلت تتربع في عليائه لزمن طويل.
بعد دخول الألفية الثالثة بدأت تنتشر في الفضاء السايبروني المواقع الإخبارية التي تتلاحق أخبارها على مدار الساعة، وصارت حتى القنوات الفضائية العريقة إخبارياً كالسي إن إن والبي بي سي تحرص على أن تكون مواقعها الإلكترونية في مقدمة المواقع الإخبارية العالمية لأنها تنبهت باكراً إلى أن الإعلام الرقمي سيكون هو صاحب الحصة الأكبر في مستقبل الإعلام.
السعوديون أيضاً تنبهوا لهذه المسألة باكراً. دخلها أولاً عثمان العمير عبر جريدة إيلاف الإلكترونية (لا أعرف في الحقيقة لماذا لم يسمها مجلة) ثم تتابعت بعد ذلك المواقع الإخبارية الصغيرة والكبيرة، لعل آخرها الموقع الذي تنوي الشركة السعودية للأبحاث والنشر إنشائه على أطلال مجلة المجلة التي دفنت آخر أعدادها الورقية قبر شهر رحمه الله ورحمنا جميعاً.
السعوديون تنبهوا باكراً لهذه المسأله، هذا صحيح، لكن هل تنبهوا لنوعية الطرح المناسب في المواقع الإلكترونية؟ أشك في ذلك!. العمير اعتمد في مطبوعته الإلكترونية على مواد الغير. وصار يلاحق الصحافة المطبوعة بدلاً من أن يسبقها!. بمعنى أدق وأقرب إلى الصواب: صار العمير سارقاً محترفاً وهو الذي كنا نعتقد أنه سيصبغ الصحافة الإلكترونية بخبرته الصحافية الورقية العريضة. مواد إيلاف صارت تستجلب من صحيفة الشرق الأوسط والأنباء والقبس والرياض والحياة والشروق والصباح وكل مصدر ورقي متاح. وحتى المواد الخاصة بالجريدة التي يكتبها “زيد بنيامين” أو غيره من متفرغي الجريدة القليلين جداً هي في الحقيقة تحوير لما تنشره الصحافة الورقية. لم يستفد العمير كثيراً من الآلية التي تسمح بتزويد الأخبار علي مدار الساعة وجعل من جريدته مطبوعة ورقية ميزتها الوحيدة في سهولة الوصول إليها.
على الجانب الآخر ظل موقع العربية لسنوات طويلة يعتقد أن النجاح يرتبط بعدد التعليقات على مواضيعه التي يختار نشرها بعناية من الصحف اليوميه ووكالات الأنباء. لذلك كان المسؤولون عن النشر في الموقع يفرحون كثيراً عندما يبدأ العراك اليومي المحمل بالشتائم البذيئة بين ضيوف موقعهم. يظنون جهلاً أن نجاحهم يعتمد على قوة وشراسة المعارك التي تحدث يومياً في صفحات موقعهم، بغض النظر عن نوعية المواد المطروحة.
لم يوفق السعوديون كثيراً في صحافتهم الإلكترونية بسبب الفهم المشوه لماهية المرحلة التي تلت سقوط الصحف الورقية. فازوا بالوصول اليسير إلى القارئ وخسروا القوة والهيمنة الإعلامية التي كان من الممكن أن يحققوها بسبب ما توفر تواً للصحافة الإلكترونية وصار متعذراً على الصحافة الورقية.
داؤود الشريان صاراً رئيساً جديداً لتحرير العربية نت ومن أجله ومن أجلي سأكتب له هنا بعض النصائح التي قد تفيده في عمله الجديد:
عليه أولاً إيقاف السرقات اليومية التي تحدث في موقعه الألكترني. وإذا ما أراد النشر بالتزامن مع الصحف اليومية فعليه أن يستأذن الكتاب والصحفيين في ذلك ويتكرم مشكوراً في نهاية كل شهر ببعث مستحقات النشر لهؤلاء الصحفيين والكتاب.
عليه أن يدرب صحفييه على مسألة التغطية الخبرية المتتابعة لموضوع معين، بمعنى أن يكون لدى صحافيي الموقع فهم لماهية التغطية المتقطعة زمنياً. فمثلاً عندما يحدث زلزال في إيطاليا على سبيل المثال فإنني أتوقع من الموقع أن ينشر كل نصف ساعة الجديد عن هذا الزلزال حتى يتوقف الناس عن متابعة أخبار الزلزال، ويمكنني تحديد هذا المقياس من خلال عدد الزيارات لكل موضوع يتم نشره.
على الموقع أن يستفيد من الصحافيين الزوار. بمعنى أن ينشر دائما مواداً معينة في زوايا معينة مستقاة من قراء الموقع الذين يرون في أنفسهم قدرة على تعاطي الصحافة بشرط الإشارة إلى أن هذه الأخبار خارج المسؤولية المهنية للموقع.
استكتاب طاقم كتابي خاص بالموقع فقط.
الاعتماد على تقنية الانترنت في صياغة الواضيع، فعندما أتحدث مثلاً عن زلزال أيطاليا ويمر من خلال الموضوع اسم المدينة المنكوبة، فيجب أن يتاح للقارئ أن يتعرف على هذه المدينة من خلال وصلة تنقله للوكيبيديا أو أي موقع معلوماتي آخر يتفق مع الموقع.
في الأسبوع القادم ربما استفيض في هذا الموضوع، وربما تأخذني جائحة في طريقها الكتابي
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | 1 تعليق »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
فخامة الرئيس هوجو شافيز.. رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية…
صباح الخير بتوقيت مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية. مساء الخير بتوقيت مدينة كاراكاس بجمهورية فنزويلا البوليفارية.
تحية طيبة أبعثها لك ولشعبك الفنزويلي الصبور. قبل أن أطلعك على ما في نفسي، يجدر بي بدءاً أن أطلعك علي ما في عيني. أنا يا سيد شافيز أكره كثيراً اللون الأحمر. وتصاب عيني بالحساسية الشديدة كلما وقع بصرها على هذا اللون الذي يذكرني بالرجعيين العرب الذين ملأوا الدنيا صراخاً وزعيقاً في ستينات وسبعينات وأواسط ثمانينات القرن الماضي. أعرف أنك مستغرب من إثارة المسألة اللونية في بداية هذه الرسالة خصوصاً أن مستشاريك قد أوحوا لك بأن رسالتي تحمل “وجدانيات” عربي يرى في التجربة الفنزويلية الوليدة في بداية هذا القرن، تحرر بوليفاري جديد، لكن خذني على ما “يرى بصري” حتى أنهي رسالتي بالشكل الذي يرضيك ويرضيني.
تتحدث كثيراً يا سيد شافيز عن مناصرتك للفقراء ووقوفك إلى جانبهم في كل خطاباتك الطويلة المميزة بارتفاع نبرتها الصوتية. تتحدث دائماً عن الفقراء وكأنك واحد منهم. وتصر دائماً على أن يكون وجه فنزويلا هو وجه هؤلاء الفقراء الذين يسكنون الصفيح في ضواحي كاراكاس ومركيبو وميريدا وماراكاي. ولا تعترف أبداً بالأقلية الغنية الاحتكارية التي تتحكم في مقدرات ٩٠٪ من الشعب الفنزويلي. بل يصل الأمر أحيانا - إذا ما أصابك “التجلي” في خطاباتك - إلى مهاجمتهم ووصفهم بالحشرات التي تمتص دماء الشعب الفنزويلي، مع أنك يا سيد شافيز أحد أفراد هذه النسبة المئوية القليلة التي تسرق وتنهب مقدرات فنزويلا. تهاجم الأقلية في الصباح وتشرب مع أفرادها مساءً نخب الضحك على ذقون الفقراء. دولتك يا سيد شافيز تنتج يوميا حوالي ثلاثة ملايين برميل من النفط، ومع ذلك يعيش أغلب أفراد شعبك في فقر مدقع لا يسمح لهم بالتفكير في أبسط حقوقهم المدنية، ناهيك عن المطالبة بها.
يطيب لك في المناسبات الدولية أن تتحدث عن غنى الشمال في مقابل فقر الجنوب، وتطالب بصوتك (النحاسي) دائماً بردم الفجوة التي تفصل شمال الأرض عن جنوبها. وتتبنى عامداً متعمداً قضايا شعوب العالم الفقيرة (بما فيها شعبك المسكين)، وكأنك أحد أباطرة مصلحي الأرض، وكل من يعرفك عن قرب يعرف أنك تسعي دائماً لإبقاء شعب فنزويلا تحت خط الفقر لتتمكن أنت وطغمتك الديكتاتورية الحاكمة من الانفراد بالكلمة العليا والمال الأعلى.
منذ أن أستوليت علي حكم فنزويلا يا سيد شافيز وأنا أقول لأصدقائي: لا تثقوا أبداً في الزعماء المفوهين!. الزعيم الذي يخرج بمناسبة ودونها على شعبه ليعطيهم خطبة طويلة عريضة ذات ماركة (كاستروية) لن يساهم أبداً في تقدم بلده. هذا النوع من الزعماء يسعي دائماً لترميز نفسه في مقابل تهميش شعبه. الزعيم الخطيب مجرد منظر لسياسات كلامية لا تسقط على أرض الواقع أبداً، بل تظل حبيسة آذان من جعلهم قدرهم يخضعون لمثل هذه الأنواع من الخدع السياسية.
فيدل كاسترو العظيم يا سيد شافيز كان أبرع منك خطاباً، وأوقع منك حديثاً، وكان بعبقريته الفذة وقدرته اللامحدودة على الإقناع يستميل قلوب وعقول الكوبيين الأوائل. كان يعدهم منذ حوالى خمسين سنة بالنعيم والتحرر والغنى. كان يصدح بالساعات في ساحات هافانا، متحدثاً في كل شيئ، الاشتراكية والشيوعية والإمبريالية والرأسمالية اللعينة والغنى والفقر وخليج الخنازير وجون كينيدي وجورج بوش وتشي جيفارا والسيجار الكوبي. كان يتحدث عن كل شيئ . عن كل شيئ. شيئ واحد لم يكن يتحدث عنه كاسترو: الخبز.
أنت يا سيد شافيز تتحدث في خطبك النحاسية عن كل شيئ. كل شيء. مشاكل الأقليات المضطهدة في الفلبين. وتسلط الشيطان الأميركي على الملاك الإيراني. والعبث الأميركي بجغرافيا العالم. وتأثير تغيرات المناخ على مستقبل الأرض. ومخاطر ذوبان الثلوج في أقطاب الأرض. وحاجة شعوب العالم للتحرر والثورة ضد الأقليات التي تتحكم بها. شيئ واحد لا تتطرق له لا من قريب ولا من بعيد في كل خطبك: حاجة شعبك للخبز في دولة يتوقع منها العالم (بالإضافة لخمس دول أخرى) أن تمده بنصف احتياجاته من الطاقة في عام ٢٠٢٠!!.
تضع أميركا دائماً نصب عينيك. تتهمها بظلم السودان. والتدخل في شؤون إيران. والعمل على تقويض النظام السوري. ومحاولة تحجيم دور كوريا الشمالية. تتهمها بعشرات التهم في عشرات الدول. وتحاول دائماً أن تستميل الرأي العالمي ضدها. وتُشعر أمم الأرض أنك عدو دائم لأميركا ولا مجال للتصالح معها لأنك غير متصالح مع سياساتها العالمية.
أشعرت هتيفتك العرب لفترة طويلة يا سيد شافيز أن مبادئك عليا ومواقفك ذات أسس ثابتة وراسخة، لكن ويا لخيبتهم العظيمة، ركضت باتجاه أوباما أول ما رأيته في قمة الأميركيتين قبل أيام وقلت له : أريد أن أكون صديقك!.
نسيت كل ما كنت تتهم أميركا به على المستوى العالمي، ورحت تستغل انتخاب رئيس أميركي جديد لتلتف عليه وعلينا!!.
يا سيد شافيز.. كثيرون مثلك في العالم، وعندنا في المنطقة العربية زعماء من شدة شبههم بك، يصعب على الراصد أن يميزك عنهم أو يميزهم عنك، لكن مع ذلك عندي طلب صغير جداً جداً جداً يا بوليفار أميركا الجنوبية الجديد: دع عنك المساومة على قضايانا وابقى بعيداً رجاءً. ابقى بعيداً بلباسك الأحمر الانتهازي، فمصائبنا كثيرة ولسنا على استعداد لإضافة مصيبة جديدة لنا.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
كان على المتفائلين العرب أن يعرفوا مسبقاً أن نتيجة الانتخابات الجزائرية لن تخرج عن أحد هؤلاء المرشحين الثلاثة: عبدالعزيز بو تفليقة أو عبدالعزيز بو تفليقة أو عبدالعزيز بو تفليقة. كان عليهم أن يعرفوا ذلك حتى لا يشعروا بخيبة الأمل الكبيرة التي شعروا بها بعد انتخاب بو تفليقة رئيساً للجزائر في (عهدة ثالثة)!!. منذ أن تدخل الرئيس (شخصياً) ورمى بثقله الرئاسي واستغل سلطاته غير المحدودة في تغيير الدستور بحيث يسمح بإضافة فترة ثالثة (أو عهدة، كما يقول الجزائريون) للحكم الرئاسي والعالم، كل العالم يعرف أن الرئيس القادم للجزائر لن يخرج عن أحد المرشحين الثلاثة الذين ذكرتهم في بداية المقال. لو كان بو تفليقة غير مهيأ للفوز (لأسباب حكومية) لما كلف نفسه وحاشيته وأعوانه بالعمل على تغيير الدستور كي يسمح له بإعادة ترشيح نفسه. ولو كان عنده ذرة شك واحدة بأن فوزه غير مضمون (بأسباب شعبية) لما فرش الورود لمن سيأتي بعده بحيث يحكم الجزائر لمدة خمسة عشر عاماً قادمة.
بو تفليقه سيحكم الجزائر الآن لمدة خمس سنوات، وسيمرر للبرلمان الجزائري بعد مرور أربع سنوات وشهرين على حكمه مشروعاً يسمح للرئيس بترشيح نفسه للمرة الرابعة إذا لم تقتنع جماعة الحل والربط ( سيتم تشكيلها بعد ثلاث سنوات من الآن) بأهلية المترشحين الجدد للرئاسة الجزائرية. سيكون على بو تفليقة مجبراً أن يوافق على ترشيحة للمرة الرابعة من أجل إنقاذ الشعب الجزائري من جحافل المترشحين المرتزقة الذين يريدون تحويل الجزائر، هذه الدولة النفطية العملاقة، إلى بلد فقير يهجّر أبناءه في البر والبحر كي لا يموتوا جوعاً وذلاً في وطنهم.
وبعد مرور أربع سنوات على ولايته الرابعة سيكون الكثير منكم قراء هذه المقالة قد انتقل إلى وجه ربه الكريم فيما يحاول بو تفليقة الانتقال إلى ولاية خامسة بسن دستور جديد يقول إن الرئيس عندما يحكم البلد لمدة أربع (عهد) فمعنى ذلك أنه قد تحول أوتوماتيكياً إلى رمز قومي، وبالتالي فلا مكان له بعد قصر الرئاسة سوى القصر الذي يقع في المنطقة التي تفصل الدنيا عن الآخرة.
أنا والمتفائلون العرب والمتشائمون العرب (والمتشائلون أيضاً بما فيهم سعيد أبو النحس) يأملون من (الملكهوريات) العربية أن تختار ما بين النظام الملكي أو النظام الجمهوري كي نعرف (رؤوسنا من أرجلنا) لا أقل ولا أكثر.
محمد ولد عبد العزيز في أقصى الخارطة العربية كشف قبل ثلاثة أيام عن نيته تقديم استقالته كرئيس غير منتخب لموريتانيا كي يكون في إمكانه ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة المقرر إجراؤها في مطلع شهر يونيو القادم. المتفائلون العرب بدأوا الآن الشعور بحمى الإعجاب بولد عبدالعزيز كونه ترك السلطة طائعاً مختاراً من أجل الدخول في سباق مع المترشحين لحكم موريتانيا، لكن قبل أن يؤثر هذا التفاؤل على نظرتهم المستقبلية للأمور العربية (وضربتين في الرأس توجع) عليهم أن يعرفوا من الآن أن الرئيس القادم لموريتانيا لن يخرج عن أحد هولاء الثلاثة: محمد ولد عبد العزيز أو محمد ولد عبد العزيز أو محمد ولد عبد العزيز!. سيفوز محمد ولد عبد العزيز بالرئاسة لفترة رئاسية أولى قابلة للتجديد في قادم السنوات بمقتضى المصلحة الموريتانية العليا التي تختلط فيها مصالح الشعب بمصالح القصور الرئاسية!. أوليس هو القائل: “بطبيعة الحال لست مستقيلا قبل 22 أبريل/ نيسان الحالي من أجل الاستقالة، أنا مستقيل من أجل الترشح للرئاسة وليس من أجل أي شيء آخر”. هل أدركتم الآن لماذا قلت إن الرئيس القادم لن يخرج عن الأولاد الثلاثة؟! تمعنوا – بربكم – في الجملة الأخيرة : “أنا مستقيل من أجل الترشح للرئاسة وليس من أجل أي شيء آخر”! الشيء الآخر الذي ذكره ولد عبد العزيز في جملته، هذا الشيء بالتحديد هو الذي علينا أن نعرفه نحن الذين نجاهد عقولنا لتستطيع أن تحدد الفوارق ما بين الجمهوريات العربية والملكيات العربية.
انتخابات لبنان البرلمانية ستجرى أيضاً في مطلع يونيو القادم، ويأمل الكثير من المتفائلين العرب أن تخرج الوجوه التي سئمناها من البرلمان لتحل محلها وجوه جديدة. وجوه جديدة قادرة على إخراج لبنان من أزماته المستديمة. لكن، لأن ثلاث ضربات في الرأس (تودي) للقبر، فعلى المتفائلين أن يحصروا أمانيهم في الاختيار في الأوراق التي سيقدمها زعماء الحرب اللبنانيين وليس القصاصات التي سيرميها الناس المغلوبون على أمرهم في صناديق الاقتراع. سيدخل البرلمان مرشحو وليد جنبلاط وليس مرشحي دروز الجبل. وسيدخل البرلمان مرشحو حسن نصر الله وليس مرشحي الشيعة. وسيدخل البرلمان مرشحو سعد الدين الحريري وليس مرشحي السنة. وسيدخل لبنان مرشحو ميشال عون وليس مرشحي الموارنة… الخ السلسلة المعروفة. الناس اللبنانيون لن يختاروا الناس اللبنانيين. بل سيختارون ما يمليه عليهم جنبلاط ونصرالله والحريري وعون وأرسلان وجعجع والذي لم يجعجع.
الجمهورية اللبنانية التي ستنفض عن نفسها كل جدليات الأشهر الماضية ستتزين من جديد بالوجوه البرلمانية شبه الدائمة ومن خلفها الزعامات التي لا تتقاعد ولا تستقيل. كل ذلك من أجل أن لا يقال إن لبنان بلد غير ديموقراطي (يا عيب الشوم). من الآن يا متفائلين العرب رحبوا معي بـ نبيه بري ومن كتلته على حسن خليل وعلي بزي. ورحبوا معي بـ وليد جنبلاط ومن كتلته مروان حماده وغازي العريضي وأكرم شهيب. و رحبوا معي بـ سعد الدين الحريري ومن كتلته أحمد فتفت وباسم السبع ومحمد قباني. ورحبوا معي بـ ميشال عون ومن كتلته إبراهيم كنعان. رحبوا معي بأصدقاء حسن نصرالله ممثلين في محمد رعد وحسين الحاج حسن. رحبوا معي بـ ستريدا جعجع وميشال المر ومحمد الصفدي. رحبوا معي بفلان وفلان وفلان الذين ملت مقاعد البرلمان من وزن أجسادهم الذي يخنق الخشب والهواء في آن. رحبوا بهم كي لا تصابوا بخيبة أمل ديموقراطية. رحبوا بهم وطالبوا الملكهوريات كما نطالبها بالاختيار الحدي: إما جمهوريات تحترم اختيارات الجماهير وتعمل على الوصول إلى رفاهيتها وإما ملكيات تضمن الرفاهية للجماهير وتعمل على جعلها تتعايش مع مبدأ عدم الاختيار.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
هل ينجح باراك (حسين) أوباما في تغيير صورة أميركا في عيون المسلمين؟ هل يقدر على استبدال حالة الرفض لكل ما هو أميركي التي تجتاح العالم منذ ثمان سنوات إلى حالة من الاتصال المعرفي والاجتماعي والثقافي والفكري مع الأمة الأميركية؟ هل يستطيع أن ينفض الغبار الثقيل جداً، الذي خلفه جورج بوش، عن سجادة الديبلوماسية الدولية؟ هل بإمكانه إعادة الحلم الأميركي إلي الالتماع مرة أخرى كما كان في ستينات وسبعينات القرن الماضي؟ الأجوبة على الأربعة أسئلة السابقة على التوالي: ينجح، يقدر، يستطيع، يمكنه ذلك.
قبل أشهر كتبت في هذه الصحيفة أن وجود جون ماكين في البيت الأبيض أفضل كثيراً لنا كمسلمين وعرب من وجود باراك أوباما، لأن الأخير سيضع أمام عينيه دائماً، اتهام اليمينيين الأميركيين له بأنه (مسلم مستتر)، لذلك سيعمد دائماً إلى تمييع القضايا العربية والإسلامية وإرسالها إلى منطقة اللاحلول، وربما يميل كل الميل على كل ما هو عربي وإسلامي توغلاً في محاولاته المستميتة لنفي التهمة اليمينية. واستطردت في نفس المقالة: لكن وبالرغم من علمي بهذا الأمر، وإدراكي أن الأربع سنوات القادمة ستكون عجاف بالنسبة للعرب والمسلمين إلا أنني تباشرت كثيراً بانتخاب أوباما لأنه يمهد لولادة أميركا جديدة سنجني ثمارها بعد عشرين أو ثلاثين سنة.
اليوم طرأ تغيير على بعض قناعاتي تجاه وجود أوباما في البيت الأبيض، ويبدو أن لكاريزميته الهائلة دور في هذا التغيير. ولأكن أكثر تحديداً، سأقول أن زيارته قبل أيام لعدد من الدول الأوروبية من بينها تركيا، جعلتني أعيد التفكير من جديد في الصورة التي ستكون عليها أميركا خلال الأربع سنوات القادمة.
شخصياً، كنت مشغولاً لسنوات طويلة بالحلم الأميركي، وكانت الحياة الأميركية بألوانها وحيويتها وديموقراطيتها وتحضرها (وحتى بيوتها ذوات الحدائق الخلفية) تمثل بالنسبة لي نموذجاً مثالياً للحياة الكريمة التي تقدس استقلالية الفرد وتحترم خياراته وتهبه ثمار المؤسسات المدنيه وتحمي ظهره بمساعدة القانون. كنت أرى الوعاء الاجتماعي الأميركي صالحاً بامتياز لازدهار الدين الإسلامي الذي يقوم في الأساس على احترام استقلالية الناس الذين جاءوا من بطون أمهاتهم أحراراً. لكن (ولكن هذه فيها كثير من المرارة) الصورة الأميركية التي رافقتني منذ أن كنت طفلاً يقرأ بنهم مجلات (لايف وريدر دايجست) وغيرها اهتزت منذ الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م. اهتزت منذ أن أطلق جورج بوش إقصائيته الشهيرة: من ليس مع أميركا فهو ضدها. تغيرت الصورة الأميركية في نظري برغم محاولاتي الدائمة والمستميتة للتفريق ما بين المائتين رجل الفاعلين في الإدارة الأميركية والثلاثمائة مليون أميركي الذين يجهل تسعون في المائة منهم ما يدور خارج الدول الأميركية الإثنتين وخمسين. تغيرت جزئياً إلى درجة أنني صرت لا أحرص كثيراً على استقاء الأخبار العالمية من وسائل الإعلام الأميركية كما كنت أفعل سابقاً بسبب اهتزاز الثقة في كل ما هو قادم من بلاد العم جورج بوش.
انتخاب الرجل الأسود أعاد لي شيئاً من الثقة في الشعب الأميركي، لكنه لم يعد لي الثقة في البيت الأبيض. لأنني مؤمن منذ زمن أن الدول الديموقراطية كأميركا تسير وفق مسارات محددة (دستورياً) لا يمكن لرئيس ما أن يخرج عنها. ولأنني مؤمن أكثر، كما قلت، أن أوباما سيتعرض لضغوط يمينية قويه تجعله ولايته الرئاسية شبيهة بولاية سلفه، لكن يبدو أن إيماني بدأ في الاهتزاز منذ اللحظة التي رأيت فيها أوباما يتحول، بفعل الدعم الشعبي الأميركي والعالمي، إلى نجم كوني.
مشهد فوز آوباما بالانتخابات الأميركية مازال ماثلاً أمام عيني. الملايين من الأميركيين بمختلف أعمارهم وأعراقهم ودياناتهم يصطفون في شكل هندسي راق أمام البيت الأبيض والدموع تملأ عيونهم فرحاً بتحرر أميركا من قبضة جورج بوش. يصيحون ويهتفون وينادون ويلوحون بأيديهم وقلوبهم إلى رجل يعتلي منصة ترتفع عن مستوى صدورهم بقليل ويتحدث لهم عن اماله وطموحاته ونواياه و خططه واستراتيجياته. كان يختم كل جملة يقولها بكلمتين اثنتين غير مسموعتين بواسطة آذان الحشد الملتف بعباءة البرد أمامه: ( آي هاف أدريم). كان يقولها في قلبه ويتلقفها المحتفلون بفوزه في قلوبهم. منذ تلك اللحظة عرفت أن أوباما قد تحول إلى نجم قومي. لكن هل يكفي تحوله إلى نجم في أميركا (كما كان الحال مع جون كينيدي) إلى تغيير صورة أميركا عالمياً؟!. بكلمات بسيطة ومباشرة: قد يساعد في الأمر، لكنه غير كاف!. التغيير يحتاج إلى تضافر الانشداه الجماهيري الأميركي بنجومية أوباما مع الانشداه العالمي وهذا ما حصل قبل أيام. الاستقبالات الشعبية التي قوبل بها أوباما في الدول التي زارها والهتافات التي اختلطت فيها صيحات المراهقات مع (زعيق) العواجيز دليل حي ومباشر على أن صورة أميركا العالمية بدأت تتغير. أوباما بهذه النجومية قادر على إعادة أميركا الحلم إلى الذهنية العالمية من جديد. وقادر أيضاً - بمساعدة الدعم الشعبي الأميركي والعالمي – إلى صنع عالم جديد لا مكان للأشرار فيه، سواء أكانوا محافظين يمينيين أو راديكاليين دينيين. وأظن أن تحفظاتي السابقة حال انتخابه بدأت تختفي شيئاً فشيئاً، لأنه أصبح مسنوداً بقوة شعبية هائلة يستطيع من خلالها إحقاق الحق، في أي وقت وأينما كان.
حديث أوباما عن العالم الخالي من الأسلحة النووية ودعمه لتركيا الأوروبية قطرتان من غيث الحلم الأميركي. كل ما علينا هو انتظار المطر الذي لن يوقفه سوى تغييب (الغيمة: أوباما) بأي وسيلة صهيونية ممكنة!!.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
… وبعد أن اختتم الزعماء العرب قمتهم في البلد العربي (الفلاني)، عقد أمين جامعة الدول العربية مؤتمراً صحفياً بمشاركة معالي وزير خارجية الدولة المستضيفة للقمة العربية. بدأ الحديث الأمين العام لجامعة الدول العربية وقال: حرصاً منا على إطلاع الصحافة العربية بنتيجة مباحثات القادة العرب، وانحيازاً إلى مبادئنا العربية التي تحتم علينا مكاشفة شعوبنا بحقيقة الحالة العربية فإنه يسرني بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن أخي معالي وزير خارجية الدولة الفلانية أن نجيب على أسئلتكم واستفساركم حول القمة ونتائجها بكل شفافية وموضوعية (ومن غير لف ولا دوران).
نبدأ بالأخ الصحافي محمد محمود من صحيفة (الحرية العربية). تفضل أخ محمد.
محمد محمود: سوالي موجه لمعالي أمين جامعة الدول العربية. يتناقل بعض الأخوة المؤتمرون حكاية (الخناقة) الكبيرة التي نشبت بين رئيس دولة (س) ورئيس دولة (ص) في اليوم الثاني من القمة. ما حقيقة التلاسن الذي حصل وهل تطور الأمر إلى حدوث اشتباك بالأيدي أم لا؟!.
أمين جامعة الدول العربية: يا أخي أنا ما عرفش منين تجيبوا الكلام ده!! علاقة رئيس دولة (س) برئيس دولة (ص) زي السمن علي العسل، ولم يحصل أبداً خلال القمة أن تهجم أحدهما على الآخر. ارتاحوا يا جماعة زمن الملاسنات ولّى وانتهى (قالها ضحكاً وهو يلتفت إلى معالي وزير خارجية الدولة المستضيفة الذي شاركه الضحك بصوت عال).
الأخ اللي في آخر القاعة، تفضل.
سعيد درامللي، جريدة (الفجر العربي قادم). سؤالي لمعالي وزير الخارجية. هل تظنون أن العمل العربي المشترك سيبدأ في الحبو بعد هذه القمة؟
وزير الخارجية: الحبو؟!! (ثم أطلق ضحكة عالية). يا أخي نحن الآن نهرول في ميدان العمل العربي المشترك، وسنعلمكم إن شاء الله إذا ما بدأنا في العدو.
الصحفيون: معالي الوزير، معالي الأمين، معالي الأمين، معالي الوزير، معالي الوزير، معالي الوزير، معالي الأمين، معالي الوزير، معالي الأمين، معالي الأمين، معالي الأمين، معالي الأمين، معالي الوزير، معالي الوزير، معالي الوزير….
أمين الجامعة العربية: يا أخوان، يا أخوان، بالدور، بالدور، بالدور الله يخليكم.
الأخ اللي ساكت على اليمين. تفضل.
سعيد عبدالله من جريدة (التضامن العربي)، أوجه سؤالي لمعالي وزير الخارجية. هل توصل الزعماء العرب خلال مباحثات القمة إلى صيغة مناسبة تنهي خلافاتهم العميقة؟!
وزير الخارجية: أولاً أرجو من السائل الكريم أن يستبدل كلمة خلاف ويضع مكانها كلمة اختلاف، الأخ يختلف مع أخيه لكنه لا يسمح أبداً لأن يتطور هذا الاختلاف إلى خلاف. إذن القضية يا أخي سعيد قضية اختلاف في وجهات النظر وليست خلافاً في الرؤى والتوجهات، ثم إن الاختلافات في وجهات النظر مسألة صحية وتساهم في ارتقاء درجة الحوار للخروج بنتائج ترضى المواطنين العرب.
أمين الجامعة: السيدة في المنتصف تفضلي.
هدى رشيد من جريدة (الارتقاء العربي). معالي الأمين، ما حقيقة ما يدور في أروقة الفندق الذي يضم البعثات العربية حول مغادرة أحد الزعماء العرب غاضباً وعودته لبلاده قبل انتهاء البحث في جدول أعمال القمة.
أمين الجامعة العربية: هذا الكلام غير صحيح جملة وتفصيلاً. كل ما في الأمر أن رئيس الدولة (ك) أبلغ أمانة الجامعة أن لديه ارتباطات مسبقة مع ضيوف دوليين في بلده، وبناء علي ذلك وبعد أن حضر القمة الافتتاحية وناقش مع أخوانه الزعماء مستقبل (الاختلافات في وجهات النظر) العربية، طار إلى بلده مودعاً بمثل ما استقبل به من حفاوة وتقدير.
أنت.. أنت.. أيوه أنت.. اتفضل.
صالح مرزوقي من تلفزيون (البشارة العربية). سؤالي موجه لمعالي وزير الخارجية. هل صحيح أن هذه القمة العربية خلقت تكتلات إقليمية من شأنها الإضرار بالوحدة العربية الكبرى؟
وزير الخارجية: هذا الكلام غير الصحيح. كل الدول العربية على مسافة واحدة من بعضها البعض. وكلها تفكر بنفس الطريقة في مواجهة أعداء الأمة.
أمين الجامعة العربية: أنا شايف الأخ دسوقي في القاعة ومع ذلك مش عايز يسأل والا إيه. تفضل أخي دسوقي.
دسوقي شعبان من جريدة (الإخاء العربي). معالي الأمين العام للجامعة العربية، هل تم التوصل لحل بشأن مشكلة دارفور ومشكلة الخلاف الطائفي في العراق ومشكلة الاحتلال الإسرائيلي لإقليم فلسطين ومشكلة الخلافات المتكررة ما بين فتح وحماس ومشكلة المحاولات الإيرانية الحثيثة لاختراق الصف العربي ومشكلة التهديد الذي يواجه الدول العربية بسبب تنامي قوة التنظيمات والحركات الثورية التي تسعى إلى تقويض الأمن العربي ومشكلة وجود زعيم مثل معمر القذافي كأن الريح تحته يحركها يميناً أو شمالاً ومشكلة الحرب الأهلية في الصومال ومشكله تربع الإنقلابيين الموريتانيين على سدة الحكم حتى الآن برغم رفض الشعب لهم ومشكلة وجود تنظيمات عسكرية ترفض الرضوخ لحكم الدولة في بعض الدول العربية ومشكلة الجمهوريات التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى أنظمة (ملكهورية) ومشكلة ….
الأمين العام للجامعة العربية: بس بس بس يا دسوقي… لا أنت قلت ولا سمعت أنا… هذا كلام لا يليق بنا. أنا صحيح قلت في البداية حنتكلم بشفافية وموضوعية… بس الشفافية مش كده يا دسوقي.
سؤال أخير. تفضل بالسؤال أخي أحمد.
احمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمدالجعفي الكندي من جريدة (الواقع العربي). سؤالي لمعالي الوزير والأمين. نحن الغرقى فما خوفنا من البلل؟!
الوزير والأمين بصوت واحد: أهو ده الكلام.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
ما الذي يمكن نقاشه في قمة الدوحة؟ وما هو البند الأبرز الذي سيسقط من جدول الأعمال بسبب ضيق الوقت؟.
كيف يستطيع أمين جامعة الدول العربية السيد عمرو موسى إرضاء كل وزراء الخارجية العرب في نفس الوقت؟ كل وزير خارجية يعتبر قضية بلده هي الأهم وهي الأولى بالنقاش والبحث عن الحلول. وكل دولة عربية – باستثناء ليبيا طبعاً - تظن أن انعقاد القمة العربية في هذا التوقيت سيساعد على حل القضايا المعلقة التي يزيد عمر بعضها على الأربعين عاماً!.
الرئيس عمر البشير الذي سيأتي إلى القمة ولن يأتي (وسأقول لكم كيف؟) سينتظر من الدول العربية قراراً يطيح برأس أوكامبو وأولئك الذين يقفون خلف أوكامبو. ولن يرضى ما بقي له من عمر إن تخاذلت الدول العربية وشجبت قرار المحكمة الجنائية الدولية أو استنكرت حدوثه في هذا التوقيت بالذات. البشير تعامل مع قرار الجنائية الدولية بطريقة يظن أنها هي الصحيحة ولا يطلب من الدول العربية سوى التضامن معه واللعب على ذات الموجة التي بدأها. لغته أيضاً التي جابه بها القرار، كانت غريبة ولم أستطع أن أصنفها ضمن أي من أبجديات الديبلوماسية. العصا والسيف و ” يموصوها ويشربوا مويتها” ليست رداً مناسباً من وجهة نظري على أوراق دولية كتبت بليل. ولا أظن أن أمين جامعة الدول العربية على استعداد لأن يخرج علينا في ختام القمة ليقول: “ يموصوها ويشربوا ميتها”.
فخامة الرئيس البشير الذي سيأتي للدوحة تحدياً للقرار الدولي، ولن يأتي خضوعاً للفتوى التي حرّمت سفره لدواعي أمنية!! سيصاب بخيبة أمل كبيرة عندما يعرف في نهاية تداولات القمة أن قضيته وقضية شعبه الغربي خُدرت فقط لأجل غير مسمى.
الصوماليون سيأتون لقمة الدوحة على اعتبار أنهم مركز القضايا العربية. يريدون من الزعماء العرب حل قضيتهم بشرط عدم تدخل قوات عربية في الجيوب الصومالية. يريدون دمقرطة البلاد لكنهم في نفس الوقت لا يريدون أن يتخلوا عن عصا الديكتاتورية باسم الدين!. الصوماليون سيصابون بخيبة أمل كبيرة في نهاية أعمال القمة عندما يسمعون بآذانهم كلمة السيد عمرو موسى الختامية الخالية تماماً من أي إشارة للآلام الصومالية.
وزير خارجية العراق السيد هوشيه زيباري سيحارب طواحين الهواء من أجل أن تُدرج مشاكل العراق الكثيرة على جدول أعمال القمة. ستكون قضيته الأولى تأمين حدوده الغربية بحيث تتوقف جحافل الفاتحين العرب الذين يتقاطرون على جنة الفراتين من أجل الفوز بجنة الآخرة!. زيباري سيصاب بصدمة قوية بلا أدنى شك عندما تتبخر كل الحلول المتعلقة بالعراق من إناء كلمة عمرو موسى الختامية<
الأماراتيون سيعلقون آمال كثيرة على نتائج القمة فيما يتعلق بجزرهم الثلاث المحتلة خصوصاً وأن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ربما يكون أحد النجوم العالميين الذين سيتم دعوتهم لحضور القمة. يتوقع الإماراتيون أن تكون طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى هي محور المناقشات بين الزعماء العرب، ويظنون أن البيان الختامي للزعماء العرب سيكون بمثابة خارطة الطريق التي ستمهد لاستعادة الجزر الثلاث المحتلة، إن حرباً فحرباً، وإن سلماً فسلماً. الإماراتيون سيحبطوم كثيراً عند سماعهم الكلمة الأخيرة، إذ ستخلو من أية إشارة للحسم في مسألة الجزر، وستكتفي بعبارات الطبطبة والتربيت على الأكتاف!.
اللبنانيون سيأتون للدوحة بذكرى اجتماعهم فيها قبل أشهر. وسيطلبون من القادة العرب الدفاع عن ديموقراطية لبنان وذلك من خلال الالتزام العربي الكامل بدعم الانتخابات النيابية القادمة. فريق ١٤ آذار يرى أن الدعم العربي النزيه للحالة اللبنانية هو الذي يتعهد بفوز الأغلبية الحالية في البرلمان بأغلبية لمقاعد في الانتخابات القادمة أيضاً. وفريق ٨ اذار يرى أن الدعم العربي المنصف والمحايد هو الذي سيضمن للأقلية الحالية، أغلبية المقاعد في الدورة القادمة. اللبنايون سيكافحون كثيراً من أجل أن تخرج القمة بقرارات تدعم ديموقراطيتهم وتعيد لها الأمل في العيش الكريم بعد أن مرت خلال السنوات الماضية بما يشبه القتل الرحيم!. لكنهم سيتفاجؤون أيضاً بخلو البيان الختامي من أية إشارة تدعم البناء الديموقراطي اللبناني.
الفلسطينيون وما أدراك ما الفلسطينيون، سيتناسلون على الدوحة من كل حدب وصوب. الوفود الرسمية متمثلة في أبو مازن وفريقه ستكون في صدر مجلس القمة. والوفود غير الرسمية المتمثلة في من سيرسلهم السيد خالد مشعل ستكتفي بالتواجد في أماكن مغلقة تستطيع من خلالها أن تسمع وتري ما يدور في القمة من غير أن تلفت الانتباه لوجودها، فقط أولئك الذين يعلمون بوجودها مسبقاً هم الذين سيكونون على تواصل معها للتنسيق و (التزبيط) والترتيب. الوفود الرسمية الفلسطينية وغير الرسمية ستنتظر أيضاً قراراً عربياً موحداً بشأن مبادرة السلام العربية مع إسرائيل وستسعى حماس وفتح إلى استمالة المواقف العربية كل على حدة. وفي النهاية لا حماس ولا فتح ستخرجان بنتيجة مقنعة ترضي أيٍ منهما.
المغرب سيحضر للدوحة وهو لا زال يغلي غضباً من إيران التي تريد – حسبما يقول – تشييع شعبه بالكامل. سيطلب وزير الخارجية المغربي من عمرو موسى وضع قضية الاختراق الإيراني لدول المغرب العربي على رأس جدول أعمال المؤتمر. ربما يوافق عمرو موسى وربما يرى في الأمر تهويلاً مغربياً لا مكان له من الإعراب، لكن في النهاية لن يخرج المؤتمرون بقرار واضح وصريح يقف إلى جانب الجموع المغربية الخائفة من تشيع أبنائها.
س: ما الذي يمكن نقاشه في قمة الدوحة؟
ج: مشاكل التكييف في قاعة الاجتماعات. حرص بعض الزعماء على لباس معين. كيفية دخول الطاولة الكبيرة جداً الخاصة بالاجتماع مع أن باب القاعة صغير نسبياً مقارنة بها.
س:وما هو البند الأبرز الذي سيسقط من جدول الأعمال بسبب ضيق الوقت؟.
ج: المواطن العربي.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »
3 أغسطس 2009
عبدالله ناصر العتيبي
كتبت في هذه الصفحة قبل أشهر عن هيئة الأمر بالمعروف وكيف يجب أن تكون ذات علاقة تكاملية مع المجتمع لا علاقة تنافسية. الهيئة جهاز حكومي قائم بأمر ملكي فلا بد أن تكون عوناً للناس في خدماتها لا فرعوناً عليهم. وينبغي على القائمين عليها أن يحاولوا أن يسترضوا الناس ويسعوا على تأمين حد أدنى من أمن الناس النفسي والاجتماعي ليتحقق الهدف الرئيس من وجودها.
الهيئة ليست عدواً للمجتمع، والعاملون بها هم أخواننا وأبناء عمومتنا وشركاؤنا في الدين والوطن. هم في النهاية نحن. لذلك يجب أن يكون تعاملهم مع الناس قائم على المودة والعطف واللين والكلمة الحسنة. وينبغي علينا في المقابل أن نقدر جهودهم وحماسهم واندفاعهم المبني على غيرة وطنية، صحيح أن هذه الغيرة غير محسوبة بشكل جيد، لكنها في الأخير غيرة يشكرون على سماحهم لها باللعب في صدورهم.
الكثير من أبناء المجتمع يرفضون وجود الهيئة، ويحتجون في ذلك بأن الهيئة تلغي وجود الشرطة، إذ لا حاجة لوجود العسكريين المدربين الذين يحتاج تعليمهم وتدريبهم ومن ثم إطلاقهم في الميادين، يحتاج إلي صرف أموال طائلة تندرج تحت بند مصروفات الأمن الوطني. يقول المحتجون إن وجود الهيئة يلغي وجود الشرطة، ووجود الشرطة يلغي وجود الهيئة، وما وجود المحتسبين عبر التاريخ إلاً نتيجة لغياب الشرطة أو غياب دورها.
كما أن عدداً كبيراً من أفراد الشرطة متضايقون من مصادرة أدوارهم لحساب الهيئة، ويقولون في ذلك أنهم يمتلكون – على الأقل – الحد الأدنى من الأخلاق الإسلامية التي تجعلهم قادرين على ضبط نبض الممجتمع الأخلاقي. ويتساءل الكثير منهم عن حقيقة نظرة المجتمع لهم في ظل سحب بعض المهام المتعلقة بالأخلاق منهم، وكأنهم غير جديرين (أخلاقياً) بتحمل هذه المسؤولية
ومع أن هذا الرأي منطقي في جانبه العملي، إلاّ إنني أرفضه من جانب إنساني، فهناك آلاف العوائل السعودية التي تمثل رواتب معيليها الذين يعملون في الهيئة مصدر رزقها الوحيد. ومتى ما تم إلغاء الهيئة (لا يمكن إلغاء الشرطة لأسباب عديدة) فإن الآلاف من السعوديين سنضمون إلى مجتمع البطالة، وبالتالي يجوعون ويجوع من ورائهم من كان يعتمد في معيشته عليهم.
الهيئة يجب أن تبقى، لكن بشروط محددة وبمهام معينة تجعل من هذا الجهاز مفعلاً حكومياً واجتماعياً، فليس من المعقول أن تصارع من أجل البقاء ومع ذلك تستعدي المجتمع بشرائحه العريضة.
قبل أيام أرسل لي أحد الأصدقاء مقطع فيديو يظهر أفراداً من الهيئة يتعاملون مع الناس في معرض الكتاب بطريقة لا يمكن وصفها إلا بكلمتين اثنتين فقط: منتهى البدائية!!.
يظهر المقطع في أحد أجزائه رجل هيئة يسير بين جموع الشباب والبنات ويقول: اجعلوا رسول الله قدوتكم، لا تتعلقوا بالشعراء والأدباء ولا تتبعوهم، فالشعراء لا يتبعهم إلاّ الغاوين. كان يوجه حديثه لجموع زوار المعرض الذين كانوا يتزاحمون على منصات التوقيع للفوز بتوقيع الشعراء والأدباء على دوواوينهم وكتبهم. تخيلوا أن يقول أحدهم هذا الكلام في معرض ثقافي. تخيلوا أن يدعوا الناس إلى تهميش (مادة الحدث)!!.
كلنا نقتدي بهادي البشرية وكلنا نتبعه صلى الله عليه وسلم، لكن لا يجوز أبداً أن نضعه صلى الله عليه وسلم في مقارنة (ندية) مع أحد. في هذا إقلال من شأن الرسول، وفي نفس الوقت تعدٍ على مشاعر أناس يحبون الرسول ويتبعون سنته هم الشعراء والأدباء. لاحظوا منطقه العقيم: إما أنكم تتبعون الرسول أو إنكم تتبعون هؤلاء القوم الجالسين على منصات التوقيع!!.
في مشهد آخر من مقطع الفيديو يظهر رجل هيئة يطلب من أحد الشعراء الشباب أن يكتفي بكتابة كلمة أختي للصبايا اللواتي يطلبن توقيعه على ديوانه الصادر تزامناً مع المعرض. يقول رجل الهيئة للشاعر: إياك أن تكتب أختي الغالية. أكتب أختي فقط وأعط الديوان لرجل الأمن ورجل الأمن بدوره يسلم الديوان لمن يطلبه! وبعد أن لاحظ “وصي الله في الأرض” تكاثر الناس على الشاعر للحصول على توقيعه أخذه بيده وأخرجه خارج المعرض. وقبل أن يسلمه للشارع أعطاه أحد الكتب الصحوية الصغيرة المؤلفة في تسعينات القرن الماضي. هنا قال الشاعر له: لن أقبل الكتاب إلاّ إذا كان موقعاً منك أو من المؤلف، مع رجائي بأن تكتب في مقدمة الإهداء كلمة أخي، وأرجو أن لا تضيف لها كلمة الغالي فلربما كان ذلك محرماً.
لا أعرف حقيقة السبب الذي يجعل الهيئة تسعى إلى تشويه صورتها بين الناس، ربما يكون هذا الأمر مقصوداً من أناس مندسين في الهيئة لا يريدون لها الاستمرار، ويراهنوان على غضبة شعبية قريبة تطيح بهذا الجهاز الذي كثرت أخطائه أسوة بتلك الغضبة الشعبية التي كللها أمر ملكي أطاح بجهاز الرئاسة العامة لتعليم البنات الذي تم سلخه من أجهزة الدولة وألحقت أعمالة بوزارة التربية والتعليم بعد أن صار وجوده عبئاً على التعليم والمجتمع في نفس الوقت. وإما أن العاملين في الهيئة لا يعلمون حقيقة ما هو الدور المطلوب منهم بالضبط، لذلك تجدهم يبحثون عن أي مكان ليحدثوا به جلبة لإيهام الناس بأن لهم دور في المجتمع وبالتالي يحافظون على لقمة عيشهم الشهرية!.
مقطع الفيديو ومشاهداتي للمعرض على أرض الواقع جعلتني أؤمن بمسألتين مهمتين جداً ذكرتهما أعلاه، لكنني سأوجزهما في نهاية المقالة:
وجود الهيئة مهم جداً كي لا تزيد نسبة العاطلين عن العمل، خصوصاً ونحن نعيش في خضم الأزمة المالية العالمية.
وإعادة الثقة لرجال الشرطة أمر مطلوب كذلك، لأنهم في النهاية هم عيوننا الساهرة الذين سيقفون معنا في حال تعرضنا لتهديد إجرامي من أي نوع، سواء أكان إرهابياً أو متلبساً بعباءة جنائية لا علاقة لها بالإرهاب.
ano@alhayat.com
ضمن تصنيف مقالاتي في جريدة الحياة | لا تعليقات »