أرشيف تصنيف ‘احتمالات الحياة (استدراج السيرة)‘

القاتل

1 أغسطس 2009

في مقاعد المتفرجين
نمسك عصا الموت من منتصفها
وحدك في وسط الحلبة
تمسك العصا من طرفها
وترقص مترنحاً حول روحك السجينة
تقترب منها بمقدار
وتبتعد عنها بمقدار
لا تلمسها فتموت
ولا تنعتق من دائرتها.. فتتحرر
القتيل مسجى تحت قدميك
عيناه تصوبان الضعف إلى عينيك
كفاه تحثوان قلة الحيلة على وجهك
هالته تصب الذلة على هالتك
والدخان الروحي المهزوم..
يتحدر إلى السماء
في وسط الحلبة.. وحدك
يحاصرك عنكبوت الصمت
هتافنا الذي كان قبل قليل يسير في خطوط طولية باتجاه نقطة واحدة
الذي كان يستحث الأدرينالين لمهاجمة دمك
.. تراجع..
تكوّر..
وصار يخفق بأجنحته بالقرب من شفاهنا
وحدك.. في وسط الحلبة
تمسك طرف الموت
تمسك قطعة وقت منزوعة من سياقها الزمني
لا المستقبل يمد سجادته الحمراء لك
ولا الماضي ينفض آثار قدميك
في وسط الحلبة..
تقف وحدك أمام تاريخك
طرف الموت بيدك
وبيده سيف الوعي الغائب
لا روح له تتحدر إلى السماء
ولا سماء تستقبل دخان روحك
وحدك.. في وسط الحلبة
في وسط الحلبة.. وحدك
لا ثانٍ لك..ولا أول.

الحزين

4 يوليو 2009

كلما أوغلت في الحزن، زاد ارتباطك بالأرض أكثر.
رحلتك الطويلة من سالب محور الحزن إلى موجبه أيقظت في جسدك حنيناً إلى أصله!!
أيقظت عنصريته الترابيّة، فصار يلتصق بالأرض كلما سنحت له الفرصة.
حاول أن تقفز وانظر كيف تخونك أقدامك!!. لست في وضع يسمح لك باختراق الفضاء رأسياً!!
الحمل غير المرئي الذي يثقل كتفيك يريد أن يزرع ترابك في طين أمك الأرض، لعله يثمر إنساناً جديداً قابلاً للخضوع والخنوع متى ما أمر بذلك.
أيها الحزين الخاضع .. الخانع:
أتعرف من أين تأتي جيوش الحزن؟!
وهل تعرف كيف تتشكل؟!
عقلك المحاط برمادية القدر يؤمن أن الداخل ظل الخارج!
عقلك الموبوء يظن أن الفرج ينام على ذات الخط الذي يسير عليه.
لطالما رأيتك تمشي خانع الإرادة خافض الرأس، تبحث عند قدميك عمّا يرفع رأسك!
عمّا يسمح لك بالقفز ناحية السماء.
أنت .. يا رجلاً بلا أفق:
قف واملأ فراغك، حتى يفيض وعاؤك.
وغنِ ..
.. غنِ
.. غنِ
حتى تسمع الجند في صدرك يرددون غناءك. حينها، استدر إلى سالب الحزن، وامش، حتى تتعثر بالفرج!
حوّل ماضيك إلى مستقبل، وسر على بركة إرادتك، لاخوف عليك ولا حزن.

الغاضب

29 يونيو 2009

تتدافع الجداول الصغيرة في رأسك باتجاه مصب واحد.
تتشابك الرياح الضعيفة في صدرك في نقطة واحدة.
تصطف كل شرارات جسدك في المنطقة التي تفصل عينيك عن بعضهما.
ثم ترسل الجداول والرياح والشرارت ثلاث إشارت في نفس الوقت.
وما أن تلتقي الإشارات في جزء غير مرئي من هالتك الجسدية، حتى تبدأ حماك الساكنة في تحريض وقودها.
ترتفع درجة حرارتك.
تثور.
تصاب بسكتة دماغية مؤقتة.
يترجل بصرك عن عينيك.
تختنق.
الماء المتدفق بوحشية يقتلع أشجار الروح.
العاصفة تدفعها.
والنار تلتهمها.
روحك الآن ليست لك.
روحك الآن في يد الماء والعاصفة والنار.
أنت الآن ميتٌ يا صديق.
قل لي: كيف تستطيع استعادة حياتك؟!.
هل يمكنك السيطرة من جديد، على رتم حفلة الرقص الثلاثية؟!
هل تمتلك من الوقت ما يكفي لزراعة أشجار جديدة؟!.
أنت الآن خارج دائرة اسمك.
أنت الآن لست أنت.
حالة الغضب التي تلبسك بين حين وآخر تلغي طبيعتك البشرية بين حين وآخر.
وتلغي طبيعتك البشرية في المسافة بين الحين والحين الآخر.
تلغيك تماماً،
بربك قل لي: أي الكائنات أنت الآن؟!

الحاقد

7 فبراير 2009

روحك سقطت في الوحل حينما أخطَأتْ، للمرة الأولى، في تقييم حقيقة العدل الإلهي. تلوثتْ بالطين وعلائق الماء. وكان لزاماً عليك بعد ذلك أن تغمسها بين الحين والآخر في أفكارك الموحلة كي لا تجف فتتكسر، فتموت أنت!.
لم يكن أمامك بدٌ من الانغماس أكثر وأكثر في حقدك وحسدك. تفعل ذلك كي لا تموت. تدافع فقط عن حق وجودك، فيما يظنك الآخرون تبادر بفعل الهجوم على الدوام.
لا يحتاج الإنسان لكي يكون حاقداً أو حاسداً إلاّ الوقوع مرة واحدة في الخطيئة الفخ. مرة واحدة فقط كفيلة بتحويلك من إنسان تتلذذ بالشمس والجفاف إلي فأر لا يعيش إلاّ في الأقبية المظلمة الرطبة.
ليس أمامك يا أيها الرطب المتعفن إلاّ خيارين لا ثالث لهما:
الموت تكسراً تحت أشعة الشمس.
أو الحياة بلا روح!!
هل يمكنك الحياة بلا روح؟
أو دعني أعيد صياغة سؤالي بطريقة أكثر لطفاً:
هل يمكنك أن تجيبني عمّا إذا كان بإمكانك الحياة بلا روح؟!
أبدو قاسياً، أليس كذلك؟! انظر إلىّ بعطف وشفقة كي أتمكن من إعادة صياغة سؤالي. انظر إلىّ أرجوك وسأتكفل بأمر إبقائك رطباً. سأتولى مهمة إيجاد المظلة الغيمة التي سترافقك بقية حياتك:
هل يمكنك تحويل روحك إلى كائن مائي؟!
هل تستطيع استدراجها إلى حيث الأثير الرجراج؟!
هل بإمكانك العيش بروح لا تملك من أمرها إلاّ مقاومة ضغط الماء؟!.
خطيئة الحقد يا أيها المريض المشغول بروحه الرطبة، لا علاج لها سوى:
الموت السريع جفافاً
أو الموت البطيء تحت ضغط الحقد العكسي.. حقدك على نفسك، وحسدك لنفسك!!

العاشق

18 يناير 2009
تمد يدك باتجاه السماء وتغني: ربي.. ربي.. مد لي خيطاً من قلبها. ربي اجعلني معلقاً من قلبي. ربي لا تذرني وحيداً، ولا تذرها.
دعاؤك المبلل بدمعتيك هو الإشارة الأخيرة لموت “الرجل الطاغية فيك”. بمعنى آخر: دعاؤك المبلل بدمعتيك هو الجسر الذي سيوصلك إلى قلبك، وفي قلبك ستتعرف علي ذاتك الحقيقية، الذات التي ما كان لها لتعيش لولا أنها تعلقت بقلب امرأة!.
كيمياؤك الجديدة نتاج لكيمياء حبيبتك. وهذا الشعور النوراني الذي يدغدغ جسدك نتاج مؤقت لتلاقي نجمك مع نجم حبيبتك في الزمن الدائري الأول.
خذ من ذاكرتك ما تيسر لك، واجنح إلى الغيب، وهناك تعلّم كيف تزرع الأمل في قلب المستقبل. تعلم كيف تسجن النجمين في دائرة زمنية مغلقة. لا يتصادمان ولا يتعاقبان. يناوران فقط ضمن أقواس مرسومة سلفاً. يتعانقان حيناً ويتنافران حيناً، لكنهما يبقيان في دائرة التلاقي الأبدية.
حاول أن تستدرج الشعور النوراني كلما خبا إلى فخك، وإلا سيستدرجك هو إلى فخه الرمادي الدافيء الذي لا موت فيه ولا حياة!.
يا أيها العاشق: يولد الحب صغيراً ويكون في اللحظة الوسطية بحجم الدنيا، ثم يموت صغيراً.
يا أيها العاشق: اختصر حياتك في اللحظة الوسطية. كن الوليد الخارج من قبر أمك والميت الداخل إلى قبر الأرض في نفس اللحظة.
كن كذلك حتى تبقى بالقرب من قلب حبيبتك.
كن كذلك لتكون هي.

المسافر

18 يناير 2009

المسافر

حاذر من الطائر الذي يرفرف بجناحيه في صدرك. حاذر منه أيها المسافر. إن منحته قليلاً من الحرية والمساحة سيجتثك من أرض الغربة ويرميك في ضواحي مدينتك الأم! إنه الحنين الذي لا يكون في تمام استدارته إلاّ حينما يتحول إلى طير في الصدر. والصدر يا كليمي المسافر هو الجزء الأخير من الجسد الذي يخرج من دائرة الوطن والجزء الأخير من الجسد الذي يدخل منفى الغربة.
حاذر كي لا تعود لي!!.
حدثتك طويلاً قبل أن تنفي جسدك. شعرت أن من واجبي أن أذيبك في حمى الكلام، حتى لا تشعر بالبرد الأزرق الذي ينتظرك. لكني فشلت. أصدقك القول: فشلت، إلى الدرجة التي جعلت مني حُمى بشرية لا تعرف كيف تنعتق من مرضها المجهول. ذهبت أنت بلا إذابة، وتركتني هنا أصارع كوني عرَضَاً لمرض لا أعرف كنهه!. هل تعرف كيف تكون المعاناة تحت وطأة الشعور بالخوف من الانتقال من حالة العَرَض لمرض مجهول إلى حالة الموت من مرض مجهول؟!. هل تعرف أيها المنفي إلى الحالة الزرقاء؟!. هل تعرف؟!.
أعرف أن الحمى هي السبيل الواحد للتواصل مع روحك الآن، لكني أريد أن أفقد الحمى، ولا أريد أن أفقد التواصل معك. هل يمكننا أن نتبادل الأدوار؟!. كن محموماً من أجلي واجعلني منفياً في أرضي، لكن لا تعد. أتوسل إلى جسدك الذي صار أزرق، لا تعد!!.
هناك في المنفى، يتصرف الناس بغرابة لا أفهمها. يحتمون بالهالة التي تحيط بك. يتباركون بالجزء المعرّض لأشعة الشمس من جسدك. يعتقدون أنك رسول الضوء إلى العالم!. هناك في المنفى يبدو الوطن الأم معلقاً بقدسية الرجل المنفي عن وطنه!. يا لغرابة المواطنين في الأرض التي تتمنفى بالنسبة لنا!!. قل يا كليمي.. هل سأحتمي بهالة من يأتيني من وطن آخر ويختار وطني منفى له؟ هل سأبحث عن مفاتيح البركة في جلد وجهه؟! هل أوقظه من النوم ليلاً كلما احتجت لنهار؟!.
أجبني بربك لكن لا تعد!!.
حاول أن تتغلب على حنين الأرض والزمان في صدرك.. انفه إلى قدمك، إلى يدك، إلى رقبتك. حاول أن تبقيه مقيداً… وإن استدعى الأمر اقتله، لكن لا تعد.
لا تعد من أجلي كي أستطيع الكتابة كلما داهمني حنينها!.

المريض

6 يونيو 2008

 

تسير على قدمين عاريتين. وخز الحجارة الصغيرة في جزئك الملامس للأرض ينقلك عبر الزمن إلى تاريخ موغل في القدم. يأخذك بيد شعورك ليزرعك في عقل أحد أجدادك القدماء. تنمو شيئاً فشيئاً كأسطورة تاريخية، ثم تضع عقل جدك تحت قدمك بعد أن يكتمل نموك. تسحقه المرة بعد الأخرى، في حركة انهزامية مكشوفة، لتثبت أنك الحلقة الأحدث في سلسلة عائلتك. تسحقه بحقد، هرباً من الفكرة التي تقول إن الموت يأخذك إلى الماضي وليس إلى المستقبل!.
سألتك قبل أن تمرض : لماذا تُبدل أحذيتك باستمرار؟
وأجبتني : لأجدد علاقتي مع التراب على الدوام!!.
الآن وأنت عاري القدمين، كيف تجد التواصل المباشر مع التراب؟
لا تقل لي إنك تفرغ شحناتك الكهربائية في جسد أمك الأرض.
لا تقل لي إنك تنبت من أختك الأرض كشجرة ترابية.
لا تقل لي إنك تختلس القبلات من حبيبتك الأرض مع كل خطوة.
.. ولا تقل لي إنك تدوس التراب وأنت تراب.
لماذا تصمت؟ ألا توجد لديك إجابة خامسة؟
سأسألك من جديد وسأملي عليك الإجابة. يا أيها الإنسان : كيف تجد التواصل المباشر مع التراب؟
 يا أيها الإنسان : اكتب الإجابة : لأتعوّد – بالممارسة - على وصل التراب الذي لا ينقطع في جوف القبر.
قال لي عقلي قبل تشكيل وعيي إن الاسم اختصار لرحلة المسمى، فماذا تريدني أن أسميك؟ الرجل الذي غادر للتو ساحة الصحة؟. أم الرجل الذي يعبر طريق المرض؟. أم الرجل الذي يسير باتجاه الموت؟
 أنا أفضل التسمية الثانية لأنها تختصر الموت والحياة في نقطة. وأظنك توافقني عليها، لا لأنك تجدها المناسبة، بل لأنك فاقد أهلية الاختيار.
المرض ابتسامة مخادعة. عصفورة لا تقوى على الطيران. نجمة منطفئة تتباهى بضوئها اليتيم على بعد عشرات السنوات الضوئية. صوت بلا أثير. وأحياناً، نميمة صغيرة تطلقها فتاة قبيحة انتقاماً من سيطرة فتاة جميلة على عيون الناس. حينما تحاصر هذه التعريفات، منفردة أو مجتمعة، روحك، تحولها إلى بناية تُغالي في إبداء زينتها استعداداً لاستقبال الخراب!. هل قلت إن الخراب يأتي على هيئة ضيف؟! يمكنني إذن ابتداءً من هذه الجملة أن أعرّف المرض بأنه الروح التي تتجمّل!.