أرشيف تصنيف ‘قصواية (سرد)‘

الهجرة: موت المكان

2 يونيو 2008
كان كائن الزمن يقول في كل مرة أموت فيها :
أعط ظهرك للمكان. لا تلتفت للخلف أبداً ، لأنك إن فعلت ستعود مجدداً - برغبتك - إلى سجن المكان / إلى الحياة!.
في ميتتي الأخيرة ، سألته المرأة التي تنتظر عودتي دائماً لتغيب :
-
متى سيعود ؟
-
غداً أو بعد غد.
-
وهل ستنصحه من جديد؟ أعني هل ستعاتبه كما تفعل دائماً؟
-
لا .. ففي المرة القادمة سيموت ميتته النهائية.
في المرة القادمة - كما كان يقول - مت ميتتي النهائية فعلاً، وأصبحت خارج سجن المكان. أعني المكان الذي يمثل أحد شطري الوطن على رأي قاسم حداد) الوطن : الوقت والمكان(.
أنا الآن أحمل نصف وطني وأهيم في أنصاف الشعوب الأخرى (هل من الممكن أن أجتمع مع الهندي مثلاً ونصنع وطناً مشتركاً ، هو بمكانه وأنا بوقتي)؟!.
في ليلتي الأولى التي أمتلكها خارج سجن المكان، قابلني أحدهم في شارع لا أمتلك أرضه وسألني:
-
أيها الغريب كم ساعتك الآن ؟
لا ادري كيف عرف أنني غريب مكان؟
ولا أدري كيف أستطيع أن أقتطع جزءاً من زمني الغريب عليه وأرميه في فضاء مسمعه ؟!
- أيها الغريب ، كم ساعتك الآن ؟!!
لا أدري كيف داخلني شعور بالغربة عندما ظننت أن هذا الرجل يعتقد أنه يشاركني في زمني..
- زمني لي أيها الغريب عن زمني والمكان لك !! ..
تفاجأ، وأضفت :
- هناك .. حيث النصف الآخر من وطني ما زال الناس يعتقدون أن الهجرة : موت المكان ، وأن الرجل الذي يموت مكانه ، تموت حرية روحه!!.
غادر الغريب عن زمني مكانه. وما أن غاب عن بصري حتى حاولت أن أثبت ما قلته له ففشلت، إذ كيف أعرف حرية روحي في فضاء لا أمتلكه.
في ليلتي الثانية التي أظن أنني أمتلكها ، تذكرت عيني المرأة التي تنتظر عودتي دائماً لتغيب. رسمتهما في ذاكرتي. أعطيتهما البريق. ومددت يدي لجمجمتي وأخرجتهما ووضعتهما في الفضاء الذي لا أمتكله والمقابل تماماً لعيني وقلت لهما :
-
أحبكما
-
نحبك
-
كيف تحباني وأنتما تنتظران عودتي دائماً لتغيبا؟
-
وكيف تحبنا وأنت تعرف أننا نغيب بمجرد أن تحضر ؟!
-
لاأدري
-
نحن لا ندري أيضاً.
الحب هو الشعور الوحيد الذي لا يستطيع المرء تبرير نشوئه. أحببت نساء كثيرات ، وفي كل مرة أحب فيها؛ أحب بكل ما أوتيت من عاطفة وكأني لم أجرب الحب قبلاً.
ليلتي الثالثة التي لم أعرف هل أملكها أم تملكني، أرخت سدولها منذ ساعات، وفي هزيعها الأخير وبينما كنت أحاول قتل ما تبقى من وقتها بقراءة جريدة قديمة في مقهى الغرباء، خرجت روحي من سجن جسدي وجلست على كرسي أخضر نبت بشكل مفاجئ بجانب الكرسي الخسبي الميت الذي أجلس عليه وقالت :
-
جاءني الكائن الزمني ليلة البارحة عندما كنت مشغولاً بمناجاة عيني المرأة التي تنتظر عودتك دائماً لتغيب وقال لي إنك ميت!! قل لي بربك كيف تستطيع الكلام وأنت ميت؟!!
-
أخبريني أولاً ، من الذي يسيّر صاحبه ، أنا ام أنت ِ ؟
-
أنت
-
بجسدي الطيني المتهاوي هذا ؟!!
-
نعم .. بهذا الجسد الذي تعتقد أنه سجني!! والآن أجبني ، كيف تناجي عيني المرأة التي لم تشاهدها من قبل وأنت ميت ؟
-
جسدي هذا الذي يسجنك ليس إلاّ قطعة من مكان ميت !! .. قطعة من نصف وطني الميت. جسدي هذا الذي ترين لا يستطيع الكلام أبداً. من كان يتحدث البارحة يمثل الآخر المقابل لأناي .
على أية حال ، دعينا من أسئلتك العبثية واسمعي ما سأقوله لك فقد يكون كلامي الأخير. أنا الآن أيتها الروح نصف حر ونصف عبد. الزمن زمني والمكان ليس مكاني. أنا الآن أشبه أولئك المسجونين في وطني ، العبيد الأحرار ، الذين يملكون المكان ولا يملكون الزمن. أشبههم تماماً. لكن في الليلة القادمة سيتغير كل شيء، إذ لن أستطيع امتلاك الظلام النابض بالحياة / النابض بالزمن. في الليلة القادمة ساخسر النصف الآخر من وطني. سأموت ميتتي الأولى / ميتتي الحقيقية.
في الليلة القادمة عودي أيتها الروح إلى وطني المكتمل بغيابي وقبّلي جبين أمي وشفتي المرأة التي تنتظر عودتي دائماً لتغيب وقولي لهما إنني أفضل العيش في الموت على الموت في الحياة.