أرشيف تصنيف ‘مقالات في الأدب والصحافة‘

صحافة (3)

18 يونيو 2009

عندما كنت طالباً في كلية الهندسة، كان علي أن أختار: التوقف تماماً عن ممارسة الصحافة أو الحبو في دهاليز وممرات كلية الهندسة. انحزت للخيار الأول، وكان علي أن أدفع ثمن هذا الانحياز غالياً، إذ قضيت في الجامعة عشر سنوات عجاف، جعلتني أشعر أن حياتي كلها تم اختصارها في هذه الحقبة الزمنية الرهيبة.
عندما خرجت للحياة العملية وجدت أن الهندسة وسنواتها العشر ليست سوى مزحة ثقيلة من رفيق مبغض!. مزحة تضغط على عقلي بطريقة قذرة، ولم يكن أمامي – للخلاص منها - سوى الارتماء في أحضان زوجتي الثانية - الصحافة.
الصحافة التي أحبطتني، ورفعت معنوياتي، وأدهشتني، وأصابتني بالعادية، وخضعت لي، وترفعت عني، وقاومتني، وارتمت بين يدي، وأمرضتني، وأطلقت قدراتي، وفضحتني بين أهلي، ورفعت رأس أبي … علمتني أن:

** أضع البيض كله في سلة واحدة.
** أقرر متى ما لاح لي القرار.
** الباحثين عن خطأ المجتهد، ما هم إلا صحافة ظل، تحترق ما أن تتعرض للشمس أول مرة.
** التميّز ليس في السير في ركب الآخرين، بل السير عكسه إن احتاج الأمر.
** الخوف من الوقوع في خطأ صحافي، هو في الحقيقة خطأ صحافي.
** الصحافة هي خلق الخبر في رحم المصدر، إنما بملامح تميّز كل صحيفة ناجحة عن صحيفة ناجحة أخرى.
** ملاحقة الزوايا المعتمة في الأخبار المتاحة للجميع، موهبة تفرز جيد الصحافيين من رديئهم.
** الفاشلين مهنياً هم أكثر الصحافيين تنظيراً.
** مفاجأة القارئ كل صباح، هي رأس مال الجريدة.
** الصحافي يولد، ولا يستحدث من العدم.
** الشارع المكتب، والأربع وعشرين ساعة فترة الدوام.

علمتني الصحافة أن: الصحافي الناجح كالصحة، غير مُدرَك وجوده، فادح التأثير غيابه. وعلمتني أيضاً أن لا نجومية فيها، فالنجم الصحافي ابن نفسه وليس ابن الصحيفة، وبالتالي فهو جعجعة غير ذات طحين.

صحافة (2)

18 يونيو 2009

قلت في ” صحافة 1 ” إن المنظرين في المهنية الصحافية هم أقل الصحافيين حظاً في الإبداع والإنتاجية. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب يقف على رأسها حجم الفارق ما بين مثاليات النظرية ومحاولات إنزالها على أرض الواقع.
دكاترة قسم الصحافة في كليات الإعلام ليسوا على وفاق أبداً مع الحياة الصحافية اليومية والأمثلة كثيرة، لكنهم في المقابل أكثر الفاحصين للمهنية الصحافية تشدداً.
أحد أصدقائي يعمل أستاذاً للصحافة، وبسبب اهتمامنا المشترك، فقد تشبعت إلي حد التخمة بانتقاداته اليومية لما يطرح في الصحافة العربية، ليس هذا فحسب، بل إنه إمعاناً في التوغل في التنظير الصحافي، أنشأ موقعاً شخصياً له على الإنترنت يضع فيه الأخطاء الصحافية اليومية التي تقع فيها الصحف مع تذييل كل خطأ بروشتة علاج يشرح فيها رؤيته التصحيحية للمادة الصحافية المنشورة. وللحقيقة فقد كانت كل روشتاته التصحيحية بمثابة جرعات صحافية لأي صحافي سواء أكان مبتدئاً أم في نهايات حياته المهنية. كان فعلاً مرجعاً للكثير من الصحافيين، وكان أغلب الصحافيين يتفحصون موقعه كل صباح بحثاً عن أية أخطاء جديدة وقعت فيها الصحف العربية. ولم أجد طوال سنين من يختلف معه حول نوعية هذه الأخطاء أو مدى بعدها أو اقترابها من الصح أو الخطأ الصحافي. كان صاحبي كما المشرع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه. هكذا كان أو هكذا كنا نراه.
دارت الأيام وعرضت إحدى الصحف رئاسة التحرير على صديقي بعد تعرضها لهزات توزيعية وإعلانية كادت تتسبب في إغلاقها.
وافق صاحبي وشمر عن ساعديه وبدأ العمل، وما هي إلا أيام قليله حتى بدأ زوار موقعه الألكترني يملؤونه بالأخطاء الصحافية المنشورة في جريدته. بعد ستة أشهر تم الاستغناء عنه، وعاد مرة ثانية إلى جامعته وموقعه الألكتروني وراح من جديد، بدون كلل أو ملل، يسود صفحاته بأخطاء الآخرين.
الصحافة ببساطة شديدة: هي الكيفية التي توازن فيها ما بين غبار الواقع ونسائم النظرية.

صحافة (1)

18 يونيو 2009

يُخيل لي أحياناً أن اختياري لمهنة الصحافة إنما جاء نتيجة لتعرضي في طفولتي إلى لعنة شقاء لم أستطع تفاديها بالشكل الذي يبقيني في منأى عن إرهاصاتها وتطوراتها المستقبلية. وأحياناً يداخلني الشك في قدرتي على العيش لو لم أختر الصحافة مهنة لي. أحياناً أقول إن توالي دقائق الحياة بلا صحافة يشبه تماماً توالي الدقائق على من أخذه وزنه إلى أعماق البحر!. وأؤمن في أحايين كثيرة أن الجلطة الدماغية هي نهاية من اختار (التجلط) في دروب صاحبة الجلالة.
أما وقد فصدت دم التخيل والاحتمال، ورميت نفسي طائعاً مختاراً، ومجبراً أيضاً، في حضن من لا يهدأ لها بال إلا عندما تفرق المرء عن زوجه وتبعد الأخ عن أخيه، فقد آمنت منذ زمن بعيد بنقاط لا بد أن يعرفها من هو خارج هذا العالم:

* لا يقتل الحلم الصحافي سوى الموظفين! ومن هم الموظفون؟ هم الذين اختاروا الصحافة لزيادة دخلهم أو للقضاء على أوقات الفراغ في بيوتهم ( مثل موظفي العلاقات العامة في الدوائر الحكومية والشركات والذين واللواتي جاءوا إلى البلاد مع زوجاتهم أو أزواجهم فوجدوا في الصحافة فرصة جيدة لإبعاد شبح الساعات الطويلة من الفراغ في البيت).
* لا يجرح روح الصحافة سوى المعتقدين ظلماً وعدواناً من عند أنفسهم أن الريادة والسيادة خطان متوازيان يحمل كل منهما الآخر. فمن الممكن أن تكون رائداً في أمر ما، لكن لا يشترط أن تبقى طوال الوقت في موقع السيادة منه (حقوق هذه الفقرة لصديقي ناصر السميح)!
* لا يخدش جسد الصحافة سوى أولئك الذين يتعاملون مع الساعات الصحافية كما يتعامل موظفو الأرشيف مع دوامهم الرسمي.
* الصحافة بالنسبة لي (خلق جديد) و (جدل). إذا ما غاب أحد هذين العمودين أو كليهما فإن الصحف تتحول إلى مناشير ورقية قليلة الدسم.
* المتحدثون باسم الصحافة ومعاييرها المهنية هم في العادة أقل الصحفيين حظاً من الإبداع الصحافي لأسباب عديدة سأتناولها في صحافة (2).

عن الشعر

26 مايو 2008

 

 
(1)
 
متى ما انجرف المبدع خلف حسياته، أضاع المستذكر والمعُاش والمستشرف..
بصيغة أخرى: أضاع «الشاعر» في كواليس روحه!
 
(2)
 
ماهيّة الإبداع تتغير من ثقافة إلى أخرى ومن شخص لآخر..
فما يراه الأمريكي إبداعاً خالصاً ليس بالضرورة أن يراه النيجيري إبداعاً.
ما يراه العاشق إبداعاً، لا يراه الحقود كذلك.
وما يراه بائع الورد إبداعاً، قد يمثل للسياف عملاً لا قيمة له.
ماهيّة الإبداع «متراجحة» متغيّرة ما بين كيمياء المُرسِل وكيمياء المُرسل إليه.
 
(3)
 
كلما كبر الناقد في عقل المبدع، كلما قلّت أهمية منتجه..
 أو بصيغة أخرى: يجب أن يسحب الشاعر ناقده خلفه ليكتب شعراً جيداً،
 وعلى الناقد أن يسحب شاعره ليكتب نقداً ذا قيمة.
 
(4)
 
من يكتب الشعر ليحمي قصيدته من سهام النقد، سيكشفها لرماح القارئ.
 
(5)
 
من يؤمن بأنه يمتلك الشعر هو فاقد له بلا شك، لسبب بسيط.. وهو أن الشعر غيمة سابحة..
خراجها لأولئك الذين يحرثون صدورهم صباح مساء بانتظار الغيث،
ربما يدعي البعض أنه يمتلك الغيمة، لكن لا يمكنه بأي حال من الأحوال إدعاء معرفة وقت وكيفية اتصال الغيمة بالأرض الصالحة للاستزراع في صدره.
 
(6)
 
يمكنني تعريف الشعر من إحصاء متناقضاته.. هل يمكن أن أحصي ما يتناقض مع الشعر؟!
 
(7)
 
الشعر فعل.. وليس رد فعل،
 لذلك طالما رفعت صوتي رافضاً قصائد المدح والهجاء والرثاء والوصف..
 هذا شعر ناقص!!
من يكتب قصيدة الهجاء.. يكتب رد الفعل للكره الذي هو فعل.
من يكتب الرثاء.. يكتب رد الفعل للموت الذي هو فعل.
 الشعر فعل ..
تمتد بعده ردود الأفعال.
 
(8)
 
القارئ امتداد الشاعر.. أو بصيغة أخرى: انعكاسه ..
جحيم الشاعر تنعكس من على مرآة القارئ .. لكن بلا حرارة..
و.. جنته تنعكس من على مرآة القارئ .. لكن بلا رائحة..
الشاعر يحترق.. والقارئ كذلك، إنما بلا حرارة.
الشاعر يزهر.. والقارئ كذلك، إنما بلا رائحة.
وفي أحيان نادرة..
يحترق القارئ ويزهر، إذا ما شارك الشاعر في الفعل متخلياً عن دوره الأساسي.
الشاعر يفعل.. والقارئ يرد الفعل، بشكل يتناسب مع نوعيّة مكتسباته وثقافته.
 
(9)
 
المتعصبون لشكل معين من الشعر، متحللون من الجوهر.
 
(10)
 
 يكتب الشاعر.. ليخلق حيوات متصاعدة لها القدرة على الوقوف بنديّة في وجه حياته الهاوية كشهاب.
 

الأوبة

26 مايو 2008

 

أختي وردة عبدالملك :

أعرف أن وردة ليس اسمك الحقيقي، لكن اسمحي لي تجاوزاً أن أدعوك به.
فرغت للتو من قراءة روايتك “الأوبة”.(نُشرت المقالة في مجلة فواصل قبل أكثر من سنة ونصف). ومن باب الأمانة الأدبية والصحفية، سأورد لك ما جال في نفسي من خطرات حول عملك الأدبي.لكن قبل أن أسهب في القول يجدر بي أن أبلغك أنني حصلت على نسخة مصورة من روايتك .ولعل في هذا الأمر إشارة معينة لا يمكن أن تغيب عن ذهنك الفطن!.
الرواية - يا وردة كما تعرفين - خيط ممتد ما بين نقطتين متتابعتين زمنياً، تلتصق به عمودياً الشخوص والجمادات والمرايا المكانية و الأحداث الكلية والجزئية على حد سواء.وترتبط كل هذه المكونات في ما بينها ارتباطاً أفقياً، مكونةً حالة حكائيةً تسير إلى الأمام في مجمل العمل. مع بعض الاستثناءات التي تسمح بنكوص الحالة لاستدراك ما قد يسقط من خيط الزمن. أو لمحاولة ترميم عقل القارئ.
الأوبة لم تكن لتعترف بكل ذلك!.
ثمة أمر آخر .. ليس شرطاً لنجاح الرواية يا وردة أن تتطاولي على الذات الإلهية بهذا الشكل المفضي إلى خواء!. ليس من مروءة الكينونة البشرية الهشة أن تخاطب ربها بهذه الطريقة. لا تجيبيني كما يفعل البلهاء الذين اعتادوا كسر التابو المحرم. ولا تحيلي الأمر إلى شخوص الرواية. فالذات الإلهية يجب أن تبقى في عليائها، بعيداً عن محاولاتنا البائسة والحقيرة لتحقيق أمجادٍ شخصيةٍ بائسةٍ وحقيرةٍ هي الأخرى، إذا ما قورنت مع عظمة التكليف الدنيوي المؤدي بدوره إلى رحاب الآخرة!.
الأوبة لم تكن لتحترم النواميس الإلهية يا وردة!!.
على الطرف الآخر، كنت مبدعة حد الكمال في التقاط الانكسارات النفسانية لسارة (بطلة الرواية). لدرجة أنني كنت أراها بين الحين والآخر تتجول في غرفتي متلبسة حالاتها المختلفة. أنهيت الرواية ولم أنته من سارة. شبكت أصابعي بأصابعها ودخلنا المجهول. وأعدك أن لا فكاك منها!.
لغتك أيضاً كانت ماءً رقراقاً. شفافة حد التلاشي. كثيفةً حد الغرق.
أعرف جيداً أن روايتك كتبت تحت ضغط نفسي لا علاقة لعبدالله أو علي أو أمك أو حتى مشاري به. لكنها انفجرت على هذه النحو، عملاً بمبدأ “علي وعلى أعدائي”!!.
سأنتظر روايتك (الحقيقية) القادمة، والتي ربما تحكي فعلاً تجربتك الشخصية. وأتمنى أن تحمل هذه المرة اسمك الحقيقي.
 
  
 

 

لا أحد يقرأ لأحد

24 مايو 2008

 

 
 
أنت تطرح نفسك كناقد قومي، ومع ذلك لا تقرأ من النتاج الجديد إلاّ ما يتناسب مع نسقك و ودائرة معارفك وتصنيفك الشخصي الخارج تماماً عن حوزة الأدب.
وأنت تظهر على صفحات الجرائد المحلية كناقد ذي لغة تتشمس خارج التاريخ، تتباهى بمناسبة ودونها بلغتك المتقعرة، الفقيرة، والمنغلقة على عريها،  وتظن أن لا أحد يضاهيك في المرحلة، ومع ذلك لم تكتب يوماً ما ما يجعلك تستحق العباءة التي ألبسك إياها مريدوك وأصدقاؤك.
وأنت مشغول في باريس بتلميع ما سقط من كلماتك في وحل المحلية خلال العشرين سنة الماضية.
وأنت ما أنت سبحانك ربي؟، منقاد خلف هشاشة القول ورديء اللفظ، وممسوخ الفكرة، وتظن العالم، كل العالم، مخلوق في رحم القاهرة!!.
وأنت نائم لا أيقظ الله جهلك، فيكفينا ما علق بنا من سوءاتٍ رميتنا بها في الزمن الذي كنت فيه تحرس البوابة التي تفصل بين (حوش) عقولنا ورحابة العالم الخارجي!.
وأنت ما زلت معلقاً أدواتك في دكانة الثمانينات من القرن الماضي.
.
.
.
لا عجب إذن أن يكون رياض الريس هو الناقد الأكبر ..
وخالد المعالي هو عراب الساحة المحلية الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..
ومجد حيدر هو المستشار الخاص لجموع القراء المحليين ..
لا عجب أبداً أن نسقط في وحل الأدب الخارج عن الأدب!.